احتجاجات إيران.. بين المطلب الاجتماعي والرهان الجيوسياسي

قراءة تحليلية استشرافية في الخلفيات، التوقيت، والسيناريوهات المحتملة

تشهد إيران منذ أواخر ديسمبر 2025 موجة احتجاجات متصاعدة، اتخذت في أيامها الأولى طابعًا اجتماعيًا-اقتصاديًا، قبل أن تتطور سريعًا إلى حراك سياسي مفتوح يطعن في بنية الحكم نفسها. هذه الاحتجاجات، التي اندلعت في ظل تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية وانهيار العملة الوطنية، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي المضطرب، ولا عن التحولات العميقة التي طرأت على موقع إيران في معادلات القوة الإقليمية خلال العامين الأخيرين.


إعداد: الدكتورة نسيمة شرلاح


تطرح هذه التطورات جملة من التساؤلات الجوهرية:

من يقف خلف هذه الاحتجاجات؟ ولماذا انفجرت في هذا التوقيت تحديدًا؟ وما الذي تخطط له الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه إيران؟ وكيف تنعكس أزمات اليمن ولبنان وسوريا والسودان والصومال على الداخل الإيراني؟ ثم، ما السيناريوهات المحتملة، وما الخيارات المتاحة أمام طهران للخروج من هذا المأزق الأمني-السياسي المعقد؟

أولًا: جذور الاحتجاجات… أزمة معيشية بنيوية لا حادثة ظرفية

انطلقت شرارة الاحتجاجات في 28 ديسمبر 2025 من بازار طهران، وهو ما يمنحها دلالة رمزية عميقة؛ فالبازار تاريخيًا يشكل أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي والسياسي في إيران، واحتجاجه يعكس خللًا بنيويًا في العلاقة بين الدولة والطبقات الاقتصادية التقليدية.

الأسباب المباشرة للاحتجاجات تتمثل في:

الانهيار الحاد لقيمة الريال الإيراني،

ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية،

تراجع القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والدنيا،

انسداد أفق الإصلاح الاقتصادي في ظل العقوبات.

غير أن هذه الأسباب، على أهميتها، ليست سوى محفزات آنية لأزمة أعمق تتعلق بنموذج الحكم الاقتصادي القائم على:

اقتصاد ريعي محاصر بالعقوبات،

إنفاق خارجي مرتفع على الملفات الإقليمية،

ضعف الشفافية والحوكمة،

محدودية العدالة الاجتماعية في توزيع الأعباء.

ثانيا: من يقف وراء الاحتجاجات؟ بين الحراك العفوي ومحاولات الاستثمار الخارجي

تشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتجاجات ليست نتاج تنظيم سياسي مركزي، بل هي حراك اجتماعي واسع الطيف، قاده في بدايته تجار وأصحاب أعمال صغيرة، ثم انخرطت فيه شرائح أخرى: طلاب، عمال، وموظفون.

لكن غياب القيادة المنظمة لا يعني غياب محاولات الاستثمار الخارجي، حيث برزت بوضوح:

دعوات صريحة من المعارضة الإيرانية في الخارج،

نشاط مكثف على وسائل التواصل الاجتماعي مدعوم من جهات أجنبية،

رسائل علنية من جهاز الموساد باللغة الفارسية،

تهديدات وتصريحات أمريكية مباشرة.

هنا يمكن التمييز بين مستويين:

الاحتجاج كحراك داخلي مشروع نابع من أزمة حقيقية.

الاحتجاج كساحة صراع غير مباشر تسعى قوى خارجية إلى توظيفها لإضعاف النظام أو تغيير سلوكه.

ثالثًا: لماذا هذا التوقيت بالذات؟

يكتسب توقيت الاحتجاجات أهميته من تزامنه مع جملة من المتغيرات الاستراتيجية:

حرب صيف 2025 بين إيران وإسرائيل وما أعقبها من ضربات أمريكية لمنشآت نووية إيرانية،

تراجع النفوذ الإيراني الإقليمي بعد:

سقوط نظام بشار الأسد في سوريا،

إضعاف حزب الله في لبنان،

عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بسياسة أكثر تصعيدًا تجاه طهران.

هذا التوقيت يعكس لحظة هشاشة استراتيجية للنظام الإيراني، حيث تتقاطع الضغوط الاقتصادية الداخلية مع تضييق الخناق الإقليمي والدولي، ما يجعل أي حراك اجتماعي قابلًا للتحول إلى أزمة سياسية كبرى.

رابعًا: ماذا تريد الولايات المتحدة وإسرائيل من إيران؟

لا تشير المؤشرات إلى أن واشنطن وتل أبيب تسعيان بالضرورة إلى إسقاط النظام فورًا، بقدر ما تهدفان إلى:

تفكيك قدراته الردعية،

إضعاف أذرعه الإقليمية،

إجباره على تقديم تنازلات في الملف النووي،

إعادة إيران إلى الداخل ومنعها من لعب دور إقليمي فاعل.

الاحتجاجات تمثل في هذا السياق أداة ضغط منخفضة الكلفة، تُستخدم لتعميق الأزمة الداخلية دون الانخراط في مواجهة عسكرية شاملة قد تكون نتائجها غير مضمونة.

خامسًا: انعكاسات الأزمات الإقليمية على الداخل الإيراني

تتحمل إيران كلفة سياسية واقتصادية عالية نتيجة انخراطها في ملفات:

اليمن،

لبنان،

سوريا،

العراق،

إضافة إلى محيط القرن الإفريقي (الصومال، السودان).

هذا الانخراط.. استنزف الموارد المالية، أضعف الإجماع الداخلي حول أولويات الدولة، غذّى شعورًا شعبيًا بأن الأمن القومي الخارجي يُقدَّم على حساب الأمن الاجتماعي الداخلي.

ومع تراجع مردود هذه الاستثمارات الإقليمية، بدأت السردية الرسمية حول “الأمن مقابل التضحيات” تفقد قدرتها على الإقناع.

سادسًا: السيناريوهات المحتملة

يمكن استشراف أربعة سيناريوهات رئيسية:

سيناريو الاحتواء الأمني

قمع تدريجي للاحتجاجات مع تنازلات اقتصادية محدودة.

سيناريو مرجح على المدى القصير، لكنه غير مستدام.

سيناريو الإصلاح السياسي-الاقتصادي

إطلاق إصلاحات حقيقية، تخفيف القبضة الأمنية، إعادة ترتيب الأولويات.

الأكثر عقلانية، لكنه الأصعب سياسيًا.

سيناريو الانفجار الواسع

اتساع الاحتجاجات وتحولها إلى عصيان شامل.

مرتبط بتدخل خارجي مباشر أو خطأ أمني جسيم.

سيناريو التدويل

استخدام الملف الحقوقي لتبرير تدخل سياسي أو عسكري محدود.

مكلف إقليميًا وغير مضمون النتائج.

سابعًا: ما الذي يجب على الحكومة الإيرانية فعله؟

للخروج من المأزق، تحتاج طهران إلى:

الاعتراف بجذور الأزمة لا بأعراضها فقط،

فصل المطالب الاجتماعية عن الصراع الجيوسياسي،

إطلاق حوار وطني حقيقي مع الفئات المحتجة،

إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية لصالح الداخل،

تبني سياسة خارجية أقل تصادمية وأكثر براغماتية.

فالقوة الصلبة وحدها لم تعد كافية لضمان الاستقرار، في زمن تتداخل فيه الأزمات الاجتماعية مع الحروب الرمزية والنفسية.

ما يجري في إيران اليوم ليس مجرد موجة احتجاج عابرة، بل مؤشر على تحول عميق في العلاقة بين الدولة والمجتمع، في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. فإما أن تتحول الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء العقد الاجتماعي، أو تنزلق البلاد نحو مسار استنزاف طويل يضعف الدولة ويضاعف كلفة بقائها.

وفي السياسة، كما في التاريخ، غالبًا ما تكون الأزمات الكبرى هي اختبار الحكمة لا اختبار القوة فقط.


 

زر الذهاب إلى الأعلى