يوميات مواطن سوري في الجزائر
الحلقــة الأولــى

“حين استقبلتني أرض الشهداء العظماء بقلب قبل الحدود” عند هبوطي في مطار الرئيس الراحل ”هواري” بومدين في العاصمة الجزائرية الشقيقة، لم يخطر ببالي أنني أدخل بلدا جديدا، بل شعرت كأنني أعود إلى معرفة قديمة، تأخرت قليلا. كانت الوجوه هادئة، والإبتسامات صادقة، والكلمات تخرج بعفوية لا تصطنع الترحيب بل تمارسه.
عبد الحميد كناكري خوجة *
ما إن علم سائق التكسي أنني سوري حتى تغير إيقاع الحديث، صار أكثر قربا، أكثر دفئا، واستحضر الشام كما لو أنها تسكن الذاكرة الجزائرية منذ زمن بعيد.
لقد انفتح الحديث كما تفتح النوافذ على هواء مألوف تغير صوته دفئا، واستحضرت كلماته الشام ”مسقط راسي” لا كمدينة بعيدة، بل قريبة وجدانا، وتحدث عن مواقف السوريين المشرفة زمن المحن تجاه بلد الشهداء الأبرار، من سطروا بدمائهم الذكية فجر إنتصار ثورة الفاتح من نوفمبر المباركة. وكأن التاريخ هنا لايروى، بل يحترم. ويحفظ في الأفئدة.
في الطريق، كانت العاصمة تعرف عن نفسها بهدوء: شوارع واسعة، حركة منضبطة، وإن بدت مزدحمة خصيصا في ساعات الصباح الباكر و فترة انتهاء دوام العمل اليومي.
توزان جميل بين الحداثة والروح. شوارع فسيحة. نسق عمراني متنوع، عبر لي السائق عن مايحمله قلبه من محبة الجزائريين للسورييين.
عن المواقف المتبادلة، عن تاريخ يحترم دون استعراض. دعاني إلى قهوة بل إلى غداء، لامجاملة في الأمر، بل بكرم صريح، وكما فعل آخر وآخر وكأن المعرفة قديمة.
أدركت أن الجزائر لا تستقبل الغرباء بجوازات السفر، بل بجواز المودة، وأن طيبة هذا الشعب ليست شعارا، بل ممارسة يومية. كانت تلك البداية وعدا صامتا بأن القادم أجمل، وأن هذا البلد يعرف كيف يحول الوصول إلى انتماء.
حقا شعرت أنني لست ضيفا مؤقتا، بل إنسانا مرحبا به لذاته. فهمت باكرا أن الجزائري لا يستقبل الاسم ولا الجنسية، بل يستقبل القلب. كانت اللحظة الأولى إعلانا غير مكتوب: هنا، الأخوة لا تشرح، بل تعاش. وللحديث تتمة.
- مفكر كاتب حر، فنان وطني شامل من دمشق
