يوميات مواطن سوري في الجزائر (الحلقة الثانية)
عبد الحميد كناكري خوجة
مفكر كاتب حر، فنان وطني شامل
على سكة الغرب.. حين صار الطريق حكاية
بعد أيام قليلة قضيتها في إحدى نزل العاصمة، وجدتني أتهيأ لرحلة القطار نحو الغرب الجزائري. لا بدافع التنقل فقط، بل بشغف الإكتشاف. في محطة القطار، كان المشهد لوحة إنسانية نابضة: عائلات، طلبة، عمال، ووجوه تحمل ملامح تنوع جميل، والتي شبهتها بلوحة منمنمة رائعة من قبائل وعرب وشاوية وتاركية ونايلية وشلحية وميزاب. يشكلون اليد الواحدة والشعب الواحد المتلاحم المتماسك المتحابب. يجتمع كل هذا التنوع على ايقاع واحد هو الاحترام. جلست في مقعدي، وما أن تحرك القطار حتى شعرت أن الرحلة بدأت قبل الوصول.
كان القطار يشق البلاد بهدوء ووقار، والنوافذ تفتح على مشاهد تتبدل كصفحات كتاب: سهول خضراء، قرى هادئة، مدن وبلدات تلوح من بعيد.
لم يكن الصمت ثقيلا، بل مصحوبا بأحاديث خفيفة، وسؤال يتكرر بلطف: ”من أين الأخ؟”.
وما أن أجيب بأنني سوري، حتى تتبدل الملامح ودا، وتفتح أبواب الكلام عن الشام، عن الياسمين، وعن شعور الأخوة الذي لا يحتاج إلى تعريف.
شاركني أحد الناس قهوته وإحدى السيدات الكبيرات بقطعة كاتو وفتحت قلبها مادحة دمشق وأهل دمشق وكيف كانت رحلتها منذ ثلاثين عاما إلى هناك حيث يتواجد أزيد من مليون جزائري هناك منذ أن استقرار قدم مؤسس دولة الجزائر الحديثة الأمير عبد القادر الجزائري منذ القرن التاسع عشر حيث أخذت المصاهرات حقها من خلال إقتران الاآلآف من شباب ورجال الجزائر بزواج من فتيات ونساء سوريات مما زاد أواصر المحبة والقواسم المشتركة ومتن عمق الإخاء بين البلدين والشعبين الشقيقين.
وحدثني آخر عن مدينته التي سنصلها. وكأنني ضيف منتظر، لا كمسافر عابر.
عند الوصول كان الاستقبال امتدادا للطريق: ببساطة، كرم، ونصائح تعطى بمحبة صادقة. شعرت أن الغرب الجزائري لابستقبل بالاتجاهات، بل بالقلوب المفتوحة. في تلك الرحلة، فهمت أن المسافات لاتقاس بالكيلو مترات، بل بكم الألفة التي تراكمها في الطريق.
وأن القطار لم ينقلني فقط من مدينة إلى أخرى، بل قربني خطوة إضافية من معنى الإنتماء.

