يوم إفريقيا 25 ماي: إفريقيا في قلب التحولات العالمية وصعود الجزائر كفاعل استراتيجي في إعادة تشكيل التوازنات القارية.
بقلم: الدكتور بريش عبد القادر
نائب بالمجلس الشعبي الوطني
أستاذ وخبير في الشؤون الجيوسياسية والجيواقتصادية.
يشكل الاحتفال بيوم إفريقيا الموافق لـ 25 ماي من كل سنة محطة ذات دلالة تاريخية وسياسية عميقة في الذاكرة الجماعية للقارة، إذ يخلّد ذكرى تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية يوم 25 ماي 1963 في أديس أبابا، في سياق دولي اتسم بزخم حركات التحرر الوطني وبداية تفكك المنظومة الاستعمارية في إفريقيا، وبروز إرادة إفريقية جماعية لتوحيد الجهود واستكمال مسار الاستقلال السياسي عبر بناء فضاء قاري مشترك يعكس تطلعات الشعوب الإفريقية نحو السيادة والوحدة والمصير المشترك.
ومع التحول المؤسسي اللاحق، تم اعتماد الاتحاد الإفريقي سنة 2001 كإطار مؤسساتي تكاملي يجمع دول القارة الإفريقية، في خطوة عكست انتقال إفريقيا من منطق التضامن السياسي ذي الطابع التحرري إلى منطق أكثر نضجاً يقوم على الاندماج الاقتصادي، وتعزيز الحوكمة، وبناء مؤسسات قارية قادرة على مواجهة التحديات التنموية والأمنية والجيواستراتيجية.
وفي هذا السياق، جاءت أجندة إفريقيا 2063 كإطار استراتيجي قاري طموح يعكس رؤية بعيدة المدى لمستقبل القارة، تقوم على تحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الرفاه والعيش الكريم للشعوب الإفريقية، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وبناء إفريقيا قوية وموحدة وفاعلة في النظام الدولي. وتمثل هذه الأجندة انتقالاً نوعياً من إدارة الأزمات إلى هندسة المستقبل، ومن المقاربة القطاعية للتنمية إلى الرؤية الشاملة للمشروع الحضاري الإفريقي.
غير أن هذا الطموح الاستراتيجي يتقاطع مع واقع دولي متغير جعل من إفريقيا إحدى أهم ساحات إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية والجيواقتصادية العالمية. فقد تحولت القارة إلى مجال مركزي لتنافس القوى الكبرى والصاعدة، حيث تتزايد رهانات الصين وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى قوى إقليمية أخرى، على إعادة التموضع داخل الفضاء الإفريقي، كل وفق أدواته الاستراتيجية ورؤيته لمستقبل النظام الدولي.
وتتجلى هذه الديناميكية في تعدد المشاريع والمقاربات الدولية تجاه إفريقيا، من مبادرة الحزام والطريق الصينية التي تهدف إلى ربط القارات عبر شبكات كبرى للبنية التحتية والممرات اللوجستية، إلى السياسات الأمريكية الجديدة التي تعيد صياغة حضورها في إفريقيا عبر شراكات أمنية واقتصادية واستثمارية، مروراً بالمقاربات الأوروبية القائمة على الهجرة والطاقة والتنمية، وصولاً إلى الحضور الروسي المتنامي في المجالين الأمني والعسكري. وهو ما جعل من إفريقيا فضاءً مفتوحاً لإعادة تشكيل الممرات الاقتصادية والأروقة التجارية وسلاسل القيمة العالمية.
غير أن هذا التنافس الخارجي، رغم حدته، لا يلغي التحدي الداخلي الأساسي الذي تواجهه القارة، والمتمثل في ضعف الاندماج الاقتصادي، وتشتت القرار التنموي، واستمرار الهشاشة المؤسسية في عدد من الدول، إلى جانب تعقيدات الأمن الإقليمي، خاصة في منطقة الساحل والصحراء التي تحولت إلى فضاء جيوسياسي بالغ الحساسية، تتداخل فيه التهديدات الأمنية غير التقليدية مع الأجندات الدولية المتقاطعة.
في هذا الإطار، تبرز الجزائر كفاعل استراتيجي محوري داخل الفضاء الإفريقي، مستندة إلى رصيد تاريخي جعلها أحد أهم رموز دعم حركات التحرر الإفريقية، بما منحها شرعية سياسية ورمزية عميقة ما تزال حاضرة في الوعي الإفريقي الجماعي، ومؤثرة في تموقعها داخل هياكل الاتحاد الإفريقي.
وقد تطور هذا الدور من بعده التحرري إلى دور مؤسساتي وجيوسياسي متقدم، جعل من الجزائر فاعلاً محورياً في هندسة التوازنات الإفريقية المعاصرة، وهو ما تعزز من خلال تبوؤها لمواقع قيادية داخل الاتحاد الإفريقي، كان آخرها رئاسة البرلمان الإفريقي، بما يعكس حجم الثقة التي تحظى بها الدبلوماسية الجزائرية، وقدرتها على التأثير في صناعة القرار القاري.
كما ساهمت الجزائر في بلورة الرؤية التنموية الإفريقية الحديثة من خلال مشاركتها في إطلاق الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا (النيباد NEPAD) سنة 2001، باعتبارها إطاراً استراتيجياً قاريًا يهدف إلى إدماج إفريقيا في الاقتصاد العالمي على أسس جديدة تقوم على الحكم الراشد، والاستثمار، والتنمية المستدامة، وربط التنمية بالأمن والاستقرار السياسي والمؤسساتي. وقد مثلت هذه المبادرة تحولاً بنيوياً في الفكر التنموي الإفريقي من منطق المساعدات إلى منطق الشراكة والمسؤولية الذاتية.
وفي السياق ذاته، دعمت الجزائر آلية التقييم من قبل النظراء داخل الاتحاد الإفريقي (African Peer Review Mechanism)، باعتبارها إحدى أهم الأدوات الإفريقية لترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، وتعزيز الشفافية، وتقييم الأداء المؤسساتي للدول الأعضاء، بما يكرس منطق الإصلاح الذاتي ويحد من التدخلات الخارجية في مسارات الإصلاح السياسي والاقتصادي داخل القارة.
وتقوم المقاربة الجزائرية تجاه إفريقيا، وخاصة في منطقة الساحل والصحراء، على ثلاثية استراتيجية مترابطة: الأمن، التضامن، والتنمية.
فالأمن يُفهم باعتباره مقاربة شاملة تتجاوز البعد العسكري إلى معالجة الجذور البنيوية لعدم الاستقرار.
أما التضامن فيعكس امتداداً تاريخياً لالتزام الجزائر بدعم الدول الإفريقية وتعزيز التعاون جنوب–جنوب على أساس الشراكة والاحترام المتبادل ورفض التدخلات الخارجية.
في حين تمثل التنمية الركيزة الأساسية للاستقرار، باعتبار أن غيابها يشكل أحد أهم مصادر الهشاشة والتوتر في القارة.
وفي هذا الإطار، تدعم الجزائر بقوة مشروع منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية باعتباره رافعة استراتيجية لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للقارة، من خلال تعزيز المبادلات البينية، وبناء سلاسل قيمة إفريقية، وتقليص التبعية للأسواق الخارجية، والانتقال التدريجي نحو اقتصاد قاري أكثر تكاملاً وقدرة على المنافسة العالمية.
إن إفريقيا تقف اليوم أمام لحظة مفصلية تتحدد فيها خياراتها بين مسار التحول إلى قوة عالمية صاعدة تمتلك قرارها الاقتصادي والسياسي، وبين استمرار حالة التشتت البنيوي والتبعية والتجاذب الجيوسياسي الخارجي. وفي هذا السياق، تبرز الجزائر كقوة توازن استراتيجي داخل القارة، بفضل موقعها الجيوسياسي، وعمقها الإفريقي، ورصيدها التاريخي، ورؤيتها التي تربط بين الأمن والتضامن والتنمية ضمن مقاربة شاملة تستشرف مستقبل إفريقيا في عالم يعاد تشكيله على أسس جيوسياسية وجيواقتصادية جديدة.
ويظل يوم إفريقيا أكثر من مجرد ذكرى تاريخية، بل هو تعبير متجدد عن إرادة قارية لبناء إفريقيا موحدة، قوية، مستقلة، وقادرة على فرض حضورها الفاعل في النظام الدولي.
