العلاقات الأمريكية – الإيرانية في لحظة الاختبار
بين الردع المتبادل، منطق الحرب المحدودة، واحتمالات تفادي الانفجار الشامل
![]()
تدخل العلاقات الأمريكية–الإيرانية مرحلة دقيقة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات خطيرة: تصعيد عسكري متدرّج، انسداد سياسي–دبلوماسي، وتحولات عميقة في بنية النظام الدولي.
إعداد: نسيمة شرلاح
التوتر القائم في الخليج الفارسي لا يمكن اختزاله في أزمة ظرفية أو صراع إرادات ثنائي، بل هو تعبير عن أزمة أوسع تطال مفهوم الهيمنة الأمريكية، حدود القوة، وأدوات الردع في عالم لم يعد أحادي القطب.
أولًا: هل ستضرب الولايات المتحدة إيران فعلاً؟
منطق الاحتمال لا الحتمية
رغم كثافة الحشد العسكري الأمريكي، فإن قرار الحرب الشاملة يظل غير مرجّح لأسباب استراتيجية رئيسية:
-
كلفة الحرب غير القابلة للضبط
-
استهداف القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا.
-
تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
-
إدخال الكيان الإسرائيلي مباشرة في دائرة النار.
-
-
غياب الهدف السياسي القابل للتحقيق
-
إسقاط النظام الإيراني غير ممكن عسكريًا دون احتلال بري.
-
لا وجود لبديل سياسي داخلي شرعي أو قادر على الحكم.
-
-
تردّد المؤسسة العسكرية الأمريكية
-
الحرب مع إيران ليست كحروب العراق أو أفغانستان، بل مواجهة مع دولة تمتلك:
-
عقيدة “الصبر الاستراتيجي”.
-
قدرات صاروخية وغير متماثلة عالية.
-
-
النتيجة: الأرجح هو التهديد بالحرب لا خوضها، أي استخدام القوة كأداة ضغط تفاوضي.
ثانيًا: السيناريوهات العسكرية المحتملة في حال الضربة
-
ضربة محدودة ودقيقة (السيناريو الأكثر ترجيحًا)
-
الاستهداف: منشآت عسكرية محددة، مواقع صاروخية، قيادات أمنية من الحرس الثوري.
-
الهدف: كسر هيبة الردع الإيراني ودفع طهران للتفاوض من موقع أضعف.
-
المخاطر: رد إيراني محسوب لكنه موجع، مع احتمال انزلاق غير محسوب نحو التصعيد.
-
-
حرب بالوكالة (السيناريو الرمادي)
-
تفعيل: الكيان الإسرائيلي، هجمات سيبرانية، عمليات استخباراتية وتخريبية.
-
الميزة: يمنح واشنطن هامش إنكار سياسي.
-
المخاطر: فقدان السيطرة على وتيرة التصعيد.
-
-
حرب شاملة (سيناريو ضعيف الاحتمال)
-
يتطلب: تحالفًا دوليًا واسعًا (غير متوفر) وقبولًا أمريكيًا بخسائر جسيمة.
-
النتائج: زلزال إقليمي ودولي ونهاية فعلية لمفهوم “الضبط الاستراتيجي”.
-
“ما نشهده اليوم ليس مجرد صراع بين واشنطن وطهران، بل اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على ضبط الأزمات. الحرب ليست خيارًا عقلانيًا لأي طرف، لكنها تظل خطرًا قائمًا في ظل منطق البلوف وسوء التقدير وضغوط الداخل السياسي.”
ثالثًا: كيف سترد إيران؟
عقيدة “الرد التراكمي”
إيران لن تبادر بالضربة الأولى، لكنها سترد وفق منطق مدروس:
-
رد مباشر: ضرب قواعد أمريكية في الخليج واستهداف العمق الإسرائيلي بصواريخ دقيقة.
-
رد غير مباشر: تفعيل محور الحلفاء (لبنان، اليمن، العراق) وشل المصالح الاقتصادية والطاقة.
-
رد تدريجي: تصعيد محسوب يمنع واشنطن من ادّعاء “نصر نظيف”.
إيران تراهن على أن الزمن يعمل لصالحها، لا لصالح واشنطن.

رابعًا: الداخل الإسرائيلي… قلق وجودي
رغم الخطاب المتشدد لنتنياهو، يعيش الداخل الإسرائيلي حالة قلق استراتيجي حقيقي:
-
الجبهة الداخلية غير مهيأة لحرب صاروخية طويلة.
-
الاقتصاد هش أمام توقف الطيران، نزوح داخلي، وانقسام سياسي داخلي عميق.
-
إسرائيل تدفع نحو الحرب، لكنها لا تتحمل نتائجها وحدها.
خامسًا: الداخل الإيراني… صمود اقتصادي مقابل تعب اجتماعي
إيران تواجه:
-
أزمة اقتصادية خانقة وضغطًا معيشيًا حقيقيًا.
-
الحرب الخارجية تعزز الالتفاف الوطني.
-
المؤسسة الأمنية–العسكرية متماسكة.
-
غياب بديل سياسي يجعل خيار الانهيار الداخلي ضعيفًا.
أي هجوم خارجي سيحوّل الأزمة الاجتماعية إلى رصيد سياسي للنظام.
سادسًا: من يمكنه إيقاف الحرب؟
الوسطاء المحتملون:
-
روسيا والصين: تملكان نفوذًا استراتيجيًا على طهران وترفضان حربًا تخلط الأوراق الدولية.
-
أوروبا: دورها محدود بسبب التبعية الاقتصادية لواشنطن، لكنها تشكّل قناة تواصل.
-
دول إقليمية (عُمان، قطر): خبرة في الوساطات الهادئة وقبول من الطرفين.
سابعًا: هل يمكن تجنّب الحرب؟
نعم، ولكن بشروط صعبة:
-
قبول واشنطن بمنطق التفاوض المتعدد لا الإملاء.
-
حصول إيران على رفع جزئي للعقوبات وضمانات بعدم استهداف النظام.
-
دمج الملف الإيراني في معادلة أمن إقليمي شامل.
ما نشهده ليس مجرد أزمة أمريكية–إيرانية، بل اختبار لنظام دولي يترنح.
-
الحرب ليست خيارًا عقلانيًا لأي طرف، لكنها تظل خطرًا قائمًا في ظل: منطق البلوف، سوء التقدير، وضغوط الداخل السياسي.
-
إيران لا تبحث عن الحرب، لكنها مستعدة لها.
-
أمريكا تلوّح بالحرب، لكنها تخشاها.
المنطقة تقف على حافة مواجهة قد لا يريدها أحد… لكن الجميع يستعد لها.




