الخبير والباحث في الشؤون الاقتصادية فريد مالكي: “على الحكومة وضع رؤى وإستراتيجيات طويلة الأجل لتنويع قاعدتها الاقتصادية وتنفيذها”

الخبير والباحث في الشؤون الاقتصادية فريد مالكي:

“على الحكومة وضع رؤى وإستراتيجيات طويلة الأجل لتنويع قاعدتها الاقتصادية وتنفيذها”

يرى الخبير والباحث في الشؤون الاقتصادية فريد مالكي أنّ الجزائر تعاني من عدم الإستقرار الإقتصادي، نتيجة لصدمات قطاع النفط للإقتصاد، ما يرفع درجة المخاطر، ويؤدي إلى خلل العلاقة بين كل القطاعات، مؤكدا أنّه على الحكومة أولا الإسراع في تحقيق الإستقرار الإقتصادي لتفادي صدمات القطاع النفطي، حيث يعد التنويع الاقتصادية من أهم الأهداف التي تسعى إليها الجزائر منذ عدة عقود، لما يحققه من استقرار اقتصادي وتنمية مستدامة، لأنه يخفف الاعتماد على النفط، ويقلل من ذبذبة النمو الاقتصادي.

ففي المرحلة الأخيرة عند ارتفاع العائدات النفطية زاد الإنفاق أكبر من الطاقة الإستيعابية للإقتصاد، ما رفع التضخم والأجور، وهذا ما يرفع التكاليف الاقتصادية على المنتجين في القطاعات الإنتاجية، ويضعف القدرة التنافسية للإقتصاد الوطني ويقلل من جاذبية الإقتصاد للإستثمار في مشروعات تنموية طويلة الأجل، التي هي المصدر الأهم للتنمية المستدامة والتوظيف، كما أنّ قطاع المقاولات والخدمات يصبح أكثر جذبا للإستثمارات واستقطاب الكفاءات لارتباطه بالعقود الحكومية ذات العوائد الأعلى في الإقتصاد، التي من خلالها يستطيع المستثمرون أن يخفضوا المخاطر التي قد يواجهونها، فانخفاض المخاطر وارتفاع العائد مقارنة بالقطاعات الأخرى المنتجة التي تستهدف التصدير والطلب المحلي ساهم في توجيه القروض البنكية للقطاعات المرتبطة بالمشروعات الحكومية وقلل مساهمته للقطاعات الأخرى.

واعتبر فريد مالكي أنّه لتحقيق الإستقرار وتفادي صدمات القطاع النفطي على الإقتصاد، يحتاج الإقتصاد الجزائري تحييد تقلبات القطاع النفطي على الإقتصاد من خلال سياسات اقتصادية كلية وبناء مؤسسي وحوكمة، تحد من تأثير صدمات القطاع النفطي على القطاعات الاقتصادية، ومن أهم هذه الأدوات، القواعد المالية للسياسة المالية، ومن أهم ملامحها تحديد آلية تسعير النفط لأغراض الميزانية، معتمدة على متوسط أسعار النفط التاريخية والمستقبلية لعدد من السنوات، وتوجيه جزء من الفوائض المالية لصندوق توازنات للميزانية، بالإضافة إلى صندوق استثمار للأجيال خارجي (طويل الأجل) وصندوق تنمية محلي، إضافة إلى تحديد نسبة الإنفاق للدخل المحلي وتحديد سقوف للإيرادات، بجانب ذلك، تحديد نسب الضريبة بشكل مستقر خلال الفترات المختلفة لتقلبات أسعار النفط، مع إمكانية تغييرها لأغراض السياسة المالية بشكل طفيف.

وقال الخبير الاقتصادي أنّه إذا كانت الجزائر حريصة فعلا على استقرار اقتصادها والتنمية المستدامة، لابد أن تلجأ الحكومة إلى وضع رؤى وإستراتيجيات طويلة الأجل لتنويع قاعدتها الاقتصادية وتنفيذها بحرص وعناية في إطار سياسات مالية ونقدية ترفع الكفاءة الاقتصادية والمالية وتحسن الأداء في حدود ميزها التنافسية وما تمتلكه من مصادر طبيعية وقدرات بشرية وتقنية ومعرفية، وذلك باستغلال الفوائض النفطية وقت ارتفاع الأسعار في استثمارات تدر عوائد مالية وتنوع الإقتصاد في ظل عدم اليقين والمخاطر إلى تتعرض لها أسواق النفط العالمية، كما أن تقلص الإيرادات النفطية وتقلباتها يضع الجزائر أمام الأمر الواقع إما بتنويع اقتصادها ومواردها المالية غير نفطية على المدى الطويل أو تدهورها اقتصاديا وماليا.

وفي سياق ذي صلة، قال الباحث في الشؤون الاقتصادية إن الإنتقال من اقتصاد النفط إلى اقتصاد التنوع ليس بالأمر السهل، بل يحتاج إلى تغييرات هيكلية، وتحولات من مسار المصدر الواحد للإقتصاد إلى مسارات بمصادر متنوعة يدعم بعضها الآخر في حال تغير الظروف الاقتصادية العالمية إلى الأسوأ أو لمواصلة النمو نحو مستقبل أفضل، لذا إعادة هيكلة الإقتصاد لا يخلو من بعض الآثار السلبية على المدى القصير وأقل على المدى المتوسط وإيجابية أكبر على المدى الطويل، بعد اكتمال عملية إعادة الهيكلة وتكيف سلوك القطاع الخاص وسلوك المستهلك مع المعطيات الجديدة.

 

وأضاف فريد مالكي أنّ التاريخ الاقتصادي للجزائر أثبت كيف يحرك نمو القطاع النفطي الإقتصاد الوطني، حيث ينمو الإقتصاد بخطى متسارعة لفترة من الزمن سواء كان لبضع سنوات أو عقد من الزمن قبل أن يواجه بعض التحديات، بينما نجد الإقتصاد الصناعي والمنتج للنفط الذي يعتمد اقتصاده على قاعدة متنوعة، تمزج بين الصناعة والتقنية والخدمات المتقدمة وتنويع الشركاء التجاريين، تحقق نموا اقتصاديا أكثر استقرارا واستمرارا.

وأوضح الباحث أنّ زيادة الصادرات يرتبط ارتباطا إيجابيا بتحسن الأداء الاقتصادي ودعم إجمالي الإنتاجية في الإقتصاد، كما أن التكوين السلعي للصادرات له تأثير إيجابي على العلاقة بين زيادة الصادرات والنمو الاقتصادي، وبهذا يعزز تنويع مصادر الدخل مستوى الاستقرار الاقتصادي مع ارتفاع معدلات النمو بشكل تراكمي، فكلما ارتفع مستوى التنويع الاقتصادي في إطار نموذج المدخلات والمخرجات ارتفع مستوى الاستقرار الاقتصادي الممكن قياسه بالعوامل التالية: المتغيرات، والنمو السكاني، ومستوى الدخل الشخصي، ومعدل التوظيف، وكذلك يجب أن تتضمن رؤية الحكومة المستقبلية، نموذجا لتنويع مزيج الإقتصاد من صناعات وقطاعات ومهارات عمالية وصادرات غير نفطية وبمنهجية أوسع نطاقا لتنويع مصادر الدخل تتجاوز تنويع القاعدة الصناعية الحالية، حيث يتم النظر بشكل أعمق إلى كل عنصر اقتصادي بهدف تنويع الإقتصاد بطرق متعددة، وكوسيلة لتعزيز النمو والاستقرار من خلال زيادة الإنفاق الحكومي النوعي كاستثمارات محلية وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة ذات القيمة الاقتصادية المضافة.

فعلى الحكومة الجزائرية التوجه نحو تسريع النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل، حيث يعالج النمو الاقتصادي، وتحديدا نمو الناتج المحلي الإجمالي مشكلات العجز والبطالة ونسب الفقر، وهو العلاج الحقيقي لكثير من المشاكل الاقتصادية، ولن يكون هناك حلول ناجعة لمشكلتي الفقر والبطالة وجذب الاستثمارات إلا إذا حقق الإقتصاد نموا في الناتج لا يقل عن %5.

ر فريد مالكي إلى أنّ النمو أحد أهم المؤشرات الاقتصادية، ويعرف بأنه مجموع القيم المضافة إلى وحدات الإنتاج كافة العاملة في فروع الإنتاج المختلفة في اقتصاد معين، مثل الزراعة والتعدين والصناعة، وأحد أهم محركات النمو الاقتصادي هي الصادرات والاستثمار، فكل مليار دولار يصدر من السلع والخدمات يقابله 3 مليارات دولار نمو في الناتج المحلي الإجمالي، وكل مليار دولار من الاستثمارات يقابله 70 ألف وظيفة.

ومن أجل ذلك يجب إعادة هيكلة الإقتصاد بالكامل ومعالجة التشوه في ضريبة المبيعات والتي تضعف القدرة الشرائية للمواطن، والتي تضعف أيضا القطاعات الإنتاجية المختلفة؛ صناعة، تجارة، سياحة، زراعة بسبب تراجع الطلب على السلع والخدمات وتخفيض جميع كلف الإنتاج على هذه القطاعات.

يعد تنويع القاعدة الإنتاجية من أهم الأهداف الاقتصادية لإستراتيجية التنمية التي يجب أن تعتمدها الحكومة لضمان تحقيق الإستقرار الإقتصادي ورفع معدلات النمو الإقتصادي، فالتنويع الإقتصادي هو عملية إحداث تغيرات هيكلية في البنية الاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الإنتاجية التي ترافق النمو الكمي بهدف تحقيق الرفاهية أو تنويع مصادر الدخل عن طريق تبني أسلوب متوازن للتنمية الاقتصادية يكون قائم على التكامل المدروس بين القطاعات والنشاطات المختلفة، و توفر عدد كبير ومتنوع من الصناعات، لأنه كلما ارتفعت درجة التنويع الإقتصادي في اقتصاد الجزائر كلما أصبح الإقتصاد أقل حساسية للتقلبات التي تسببها العوامل الخارجية.

من خلال ما تقدم يتضح أنّ التنويع الإقتصادي في الجزائر كبلد منتج للنفط يهدف بشكل أساس لتنويع القاعدة الإنتاجية من أجل ضمان استقرار إيرادات الدولة وعدم تعرضها للهزات والأزمات الناتجة عن الاعتماد على سلعة وحيدة (كالنفط) كمصدر رئيس لتلك الإيرادات، بمعنى أن التنويع الإقتصادي يحد من أثر الصدمات على الإقتصاد الوطني، ويوفر الإستقرار الإقتصادي الذي يعد هدفا أساسيا لأية دولة، ولتحقيق ذلك يجب رفع مساهمة بقية القطاعات (غير النفطية) في الناتج المحلي الإجمالي مقابل انخفاض مساهمة القطاع الرئيس (النفطي) لكن دون تخفيض الإنتاج النفطي أو الصادرات النفطية.

وأبرز الباحث أنّ هناك تحديات كبيرة تواجه الجزائر في إدارة اقتصادها الريعي والمعتمدة على سلعة شبه وحيدة في الصادرات هي النفط لأن أسعار وإيرادات النفط شديدة التقلب ومن الصعب التنبؤ بها فضلا عن ذلك يتعين على الجزائر أن تخطط للمستقبل وتضع في اعتبارها أن النفط سلعة ناضبة وبالتالي تخطط لما بعد نضوب النفط.

ويمكن إيجاز  أهم دواعي التنويع الإقتصادي بالآتي:

1- التنويع الإقتصادي سوف يوفر حماية ضد الظاهرة الطبيعية التي يطلق عليها بالمرض الهولندي، وتحدث هذه الظاهرة عندما تقوم الدول النفطية باستغلال ثرواتها الطبيعية بما فيها النفط مما يؤدى إلى زيادة صادراتها النفطية، وبالتالي يؤدي إلى ارتفاع قيمة العملة المحلية قياسا بالعملة الأجنبية، ومن ثم يؤثر سلبا على ارتفاع أسعار السلع المحلية، وبالمقابل يؤدي إلى انخفاض قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية، ونتيجة لذلك ترتفع الواردات وتنخفض الصادرات من المنتجات غير النفطية.

2- يساهم الاعتماد الكبير على الموارد النفطية في تخفيض الإنتاجية، وبالتالي تخفيض القدرة التنافسية للقطاعات غير النفطية فضلا عن تخفيض قدرة الدولة على خلق فرص عمل جديدة ما يخلق فجوة كبيرة في الإنتاجية سواء إنتاجية العمل أو إنتاجية رأس المال بين القطاع النفطي والقطاعات غير النفطية.

3- إنّ القطاع النفطي بشكل عام ليس من القطاعات القادرة على استيعاب الأيدي العاملة بسبب اعتماده الرئيس على الاستثمارات الرأسمالية الكبيرة (كثيف رأس المال خفيف العمل)، فضلا عن أن نوعية اليد العاملة التي يتطلبها هذا القطاع هي من النوع الذي يتطلب مستويات و مهارة عالية نسبيا وحتى في البلدان منخفضة السكان نجد أن الصناعة النفطية لا تستطيع أن تولد بصورة مباشرة فرص عمل كافية، لذا فالتنويع بعيدا عن النفط من شأنه أن يؤدي إلى تطوير القطاعات الاقتصادية الأخرى ( كالزراعة والصناعة التحويلية والسياحة) مما يكون له الأثر الواضح في استيعاب القوى العاملة وتقليل نسبة البطالة في الإقتصاد.

4- يقلل التنويع الإقتصادي من خطر الانكشاف الإقتصادي الذي يخلقه الاعتماد على سلعة تصديرية واحدة بدلا من الاعتماد على قاعدة تصديرية متنوعة التي من شأنها أن تحقق استقرار أكبر في العائدات ومن ثم عملية التخطيط وبالتالي على النمو الإقتصادي والتنمية، أما فيما يتعلق بجانب الواردات، من شأن التنويع الإقتصادي أن يخلق قطاعا تجاريا خارجيا أكثر توازنا، إذ نجد أن غالبية الدول النفطية تستورد كل شي عدا النفط، الأمر الذي يعرض هذه الدول إلى أخطار عديدة من أهمها إلغاء بعض الواردات الضرورية في حالة حصول خلافات سياسية مع الدول المصدرة لهذه المواد.

5- إن تعديل بنية الإقتصاد الجزائري من خلال إعطاء دور أكبر للقطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة والسياحة، سيقلل من تأثيرات الصدمات التي يحدثها انخفاض أسعار النفط على الإقتصاد الوطني.

وقال الخبير والباحث في الشؤون الاقتصادية فريد مالكي، من الواضح أنّ الجزائر لا ترى نهاية وشيكة وسريعة للنفط، لكنها في الوقت نفسه تعمل على أساس أنّها بحاجة إلى واردات غير نفطية مستدامة، والجزائر أيضا بحاجة إلى النفط وعائداته لإنجاز تحولها الكبير، تحت عنوان الجزائر الجديدة، لكن هذه التحولات حتى في حال نجاحها ستستغرق الكثير من الوقت، والوقت قد يكون جوهر المسألة، هو سباق إذا بين تحولات الطاقة العالمية، وبين مسعى الجزائر لتغيير بنية اقتصادها قبل فوات الأوان.

وعليه، فإنّ أولوية المرحلة المقبلة للحكومة، هي تسريع النمو وتوفير فرص العمل والاستفادة من الإمكانيات والمزايا التي تزخر بها الجزائر، من مداخيل النفط والغاز المرتفعة نسبيا، هذا بالطبع يحتاج إلى آليات وأدوات، وأهم هذه الأدوات رؤية اقتصادية للدولة و”حكومة قادرة على التنفيذ”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى