الاستثمار الأجنبي في الجزائر.. آفاق جديدة وسط تحولات اقتصادية واعدة

تشهد الجزائر في عام 2025 تحولًا اقتصاديًا مهمًا في ظل جهود حكومية متزايدة لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، ضمن استراتيجية تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على قطاع المحروقات. بعد سنوات من التردد الاقتصادي وعدم وضوح السياسات الاستثمارية، يبدو أن الجزائر تدخل مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، ومواردها الطبيعية الغنية، وسوق استهلاكية نامية تزيد عن 45 مليون نسمة.
أقرّت الحكومة الجزائرية في السنوات الأخيرة مجموعة من الإصلاحات الهيكلية المهمة، أبرزها تعديل قانون الاستثمار الذي دخل حيّز التنفيذ منتصف عام 2022، والذي ألغى قاعدة 51/49 التي كانت تفرض على المستثمر الأجنبي إشراك طرف جزائري بأغلبية الأسهم في أغلب القطاعات. هذا التغيير القانوني مثل نقطة تحول جذبت أنظار العديد من الشركات العالمية، خاصة في مجالات الصناعات التحويلية، والتكنولوجيا، والطاقة المتجددة.
ورغم أن قطاع الطاقة لا يزال يمثل العمود الفقري للاقتصاد الجزائري، حيث يشكل أكثر من 90% من صادرات البلاد، إلا أن هناك تحولات ملموسة باتجاه الاستثمار في قطاعات أخرى مثل الزراعة، السياحة، والخدمات المالية. كما أن شركة سوناطراك، المملوكة للدولة، أعلنت عن شراكات جديدة مع كبرى الشركات الأوروبية والأمريكية لتحديث البنية التحتية للغاز الطبيعي وتوسيع خطوط التصدير نحو أوروبا، ما يعزز مكانة الجزائر كمورد موثوق في ظل اضطرابات سوق الطاقة العالمية.
تشير بيانات البنك المركزي الجزائري إلى ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي بنسبة 17% خلال الربع الأول من 2025 مقارنةً بنفس الفترة من العام الماضي، وهي النسبة الأعلى منذ عقد. ويُعزى هذا النمو إلى الثقة المتزايدة في استقرار الاقتصاد الجزائري، وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، بالإضافة إلى حملات ترويجية نشطة نفذتها الوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار في عدد من العواصم الأوروبية والآسيوية.
من جهة أخرى، تواجه بيئة الأعمال في الجزائر تحديات قائمة، أبرزها البيروقراطية، وعدم استقرار الإطار الضريبي، وضعف الرقمنة في الإدارة العمومية. ومع ذلك، أطلقت الحكومة مبادرات لتبسيط الإجراءات الإدارية، وتقليص زمن معالجة ملفات الاستثمار، وإنشاء منصات رقمية لتسجيل المشاريع، وهو ما رحبت به الغرف التجارية الأجنبية.
المثير للاهتمام أن الجزائر بدأت أيضًا تولي اهتمامًا متزايدًا بالاستثمار في الطاقات المتجددة، خصوصًا الطاقة الشمسية، مستغلةً موقعها الصحراوي الشاسع الذي يوفر أكثر من 3 آلاف ساعة شمسية في السنة. وقد تم التوقيع على عدة اتفاقيات مع شركات ألمانية وصينية لتنفيذ مشاريع محطات شمسية ضخمة، بعضها مخصص للتصدير نحو أوروبا، ما يفتح بابًا جديدًا للجزائر كفاعل مهم في مجال الطاقة النظيفة.
أما على المستوى السياسي، فقد ساهمت مرحلة الاستقرار النسبي التي عرفتها البلاد بعد الانتخابات الرئاسية، وخطاب الانفتاح الاقتصادي الذي تبناه صناع القرار، في طمأنة المستثمرين، رغم استمرار بعض التحفظات المتعلقة بحرية تحويل الأرباح وشفافية الصفقات العمومية. ورغم ذلك، فإن العديد من المؤشرات توحي بإرادة سياسية واضحة لتوفير بيئة أكثر تنافسية ومرونة لجذب الاستثمارات.
من المتوقع أن تستمر وتيرة تدفق الاستثمار الأجنبي في الجزائر في التصاعد خلال النصف الثاني من 2025، خاصة مع انطلاق مشاريع البنية التحتية الكبرى مثل الميناء التجاري في الوسط، وخطوط السكك الحديدية الجديدة التي تربط المناطق الداخلية بالموانئ. هذه المشاريع تعزز من جاذبية الجزائر كمركز لوجستي إقليمي، وتفتح آفاقًا جديدة أمام الاستثمارات الصناعية والتجارية.
في نهاية المطاف، تقف الجزائر اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة تعريف مكانتها الاقتصادية إقليميًا ودوليًا، شريطة استمرار وتيرة الإصلاحات، وتحسين مناخ الأعمال، وبناء جسور ثقة طويلة الأمد مع المستثمرين المحليين والدوليين.




