قراءة جيواقتصادية في تقرير البنك الدولي 2025:

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الاقتصاد الجزائري وفق تحليل الدكتور سلامة جلول

قدّم الخبير الجيواقتصادي والمهندس الدكتور سلامة جلول قراءة معمّقة لتقرير البنك الدولي بشأن آفاق الاقتصاد الجزائري لعام 2025، مستنداً إلى تحليل رياضي شامل يغطي الفترة 1965–2025 ويعتمد على تطور الهيدروكربونات، موازين المدفوعات، احتياطات الصرف، النمو الاقتصادي، ودورات العجز المالي. ومن خلال هذا التحليل، توصّل الدكتور جلول إلى ثلاثة سيناريوهات قياسية محتملة لمسار الاقتصاد الجزائري بين عامي 2025 و2030، دون وجود أي دليل على سيناريو رابع “وردي”.

أولاً: المنهجية التي اعتمدها الخبير

تكمن خصوصية تحليل الدكتور سلامة جلول في اعتماده نموذجاً اقتصادياً رياضياً يقوم على:

دراسة مسار قطاع الهيدروكربونات خلال 60 سنة (1965–2025).

حساب النمو الحقيقي للناتج المحلي بمتوسط 3% سنوياً، وهو ما يعني مضاعفة الثروة كل 30 سنة وفق المتوسط الرياضي.

إدماج الدورة الثنائية لموازنة:

1. احتياطات العملات الأجنبية،

2. العجز المالي للدولة.

انطلاقاً من هذه المعطيات، يحدد ثلاث مسارات محتملة:
السيناريو الأبيض، الرمادي، والأسود.

🔵 السيناريو الأبيض: “الوضع الراهن” (الخط الأساسي)

يمثل مستقبل الاقتصاد في حال استمرار السياسات الحالية دون إصلاحات هيكلية عميقة.

مؤشرات الاقتصاد في 2025–2030:

النمو الاقتصادي: 3.5 – 4%.

التضخم: نحو 3%.

احتياطات الصرف في 2030: 40–50 مليار دولار (تغطية 8–10 أشهر من الواردات).

سعر النفط المحتمل: 70 – 80 دولاراً للبرميل.

النمو خارج المحروقات: 4–5%.

مخاطر الاستمرار دون إصلاحات:

العجز المالي: –6% إلى –8% من الناتج المحلي.

العجز الجاري: –2% إلى –3%.

الدين العام: 50–60% من الناتج المحلي.

ضعف التنويع الاقتصادي.

يمثل السيناريو الأبيض حالة “الاستمرار في المسار نفسه” دون تغيير جذري، وهو سيناريو مستقر نسبياً لكنه غير آمن على المدى البعيد.

⚫ السيناريو الرمادي: “الإصلاحي” (التحرير/التنويع)

يراه الدكتور جلول السيناريو الوحيد القادر على تجنيب البلاد المخاطر الاقتصادية المستقبلية عبر إصلاحات عميقة.

شروط هذا السيناريو:

مرونة أكبر في سعر الصرف.

انفتاح على منطقة التبادل التجاري الحر الإفريقية ZLECAF.

رفع الإنتاجية بـ +2% سنوياً.

تشجيع الاستثمارات الخاصة والصناعة التحويلية.

أهم النتائج المتوقعة:

النمو الاقتصادي: 4.5 – 5.5%.

التضخم: أقل من 2.5%.

البطالة لدى الشباب: أقل من 25%.

العجز المالي: –3% إلى –4% (وبحد أقصى –1% في الميزانية الجارية).

الدين العام: أقل من 45% من الناتج المحلي.

احتياطات الصرف: تتجاوز 50 مليار دولار.

زيادة الصادرات غير النفطية: +20% إلى +30% قبل 2030.

يمثل هذا السيناريو مسار التحول الاقتصادي التدريجي نحو اقتصاد منتج أقل اعتماداً على المحروقات.

🔴 السيناريو الأسود: “الأزمة–الصدمات الاجتماعية”

هو السيناريو التشاؤمي الذي قد يتحقق في حال تواصل غياب الإصلاحات مع تعرض الاقتصاد لصدمات خارجية.

النتائج الاقتصادية المتوقعة:

النمو: أقل من 2% (وصولاً إلى 1% بدءاً من 2027).

احتياطات الصرف في 2030: أقل من 20 مليار دولار (تغطية أقل من 4 أشهر).

التضخم: أكثر من 10%.

الدين العام: يتجاوز 70% من الناتج المحلي.

البطالة لدى الشباب: أكثر من 30%.

انخفاض قيمة الدينار: 20–30%.

المحفزات المحتملة للأزمة:

بقاء أسعار النفط أقل من 60 دولاراً لفترة طويلة.

اضطرابات جيواقتصادية تؤدي إلى انخفاض صادرات الجزائر بـ –20%.

اتساع العجز المالي إلى أكثر من –10%.

احتمال انقطاع في الإمدادات الكهربائية.

يصف الدكتور جلول هذا السيناريو بأنه الأكثر احتمالاً بنسبة 70–80% في حالة استمرار “الأساسيات الضعيفة” دون إصلاحات جذرية.

الاستنتاج العام للدكتور سلامة جلول

يرى الخبير الجيواقتصادي أن مستقبل الاقتصاد الجزائري مرهون باتخاذ قرارات استراتيجية عاجلة، مشيراً بوضوح إلى:

> لا يوجد سيناريو رابع “وردي”، والمرحلة تفرض الاختيار بين:

الاستمرار (الأبيض)،

الإصلاح (الرمادي)،

الأزمة (الأسود).

كما يؤكد أن النماذج الرياضية المبنية على معطيات 60 سنة تظهر أن التنويع الاقتصادي الحقيقي هو السبيل الوحيد للخروج من الحلقة التقليدية لتقلبات أسعار النفط.

وعليه، يعكس تحليل الدكتور سلامة جلول دعوة واضحة للإصلاح العميق، اعتماداً على قراءة علمية وواقعية لركائز الاقتصاد الوطني. وبين سيناريوهات الاستقرار المحدود، التحول الإصلاحي، أو الانكماش الخطير، يبقى المستقبل الاقتصادي للجزائر مرهوناً بقدرتها على تسريع الإصلاحات الهيكلية واستغلال الفرص الإقليمية والدولية المتاحة.

نسيمة شرلاح.

زر الذهاب إلى الأعلى