يوميات مواطن سوري في الجزائر (الحلقة الثالثة)
عبد الحميد كناكري خوجة
مفكر كاتب حر، فنان وطني شامل
وهران.. حين صار الجمال ذاكرة تمشي
في وهران، لا تدخل المدينة دفعة واحدة، بل تتسرب إليك على مهل. كانت أولى إشاراتها البحر وهو بلمع كمرآة قديمة، والطرقات التي تحفظ وقع أقدام التاريخ. صعدت نحو جبل مرجاجو، فبدت المدينة التي تطل على البحر من عمل قصيدة مفتوحة، تتداخل فيها القباب والأسطح، ويعلوها علم الجزائر خفاقا يداعب النسمات بألوان تحكي تضحيات أبناءه لأجل فجر الاستقلال. هناك فهمت أن الرايات ليست قماشا، بل ذاكرة مرفوعة.
مررت بمعالم وهران الأثرية مشاهدا أسديها شعارها.
فشعرت أن الحجارة تتكلم؛ كل زاوية تحكي فصلا، وكل قوس يحتفظ بصدى زمن مر وترك أثره بوقار.
ثم ركبت التراموي، تجربة بسيطة في ظاهرها، عميقة في معناها. عربات نظيفة، حركة هادئة، وابتسامات تتبادل بلا سبب سوى المشاركة في الطريق.
وجوه مختلفة تجمعها سكينة واحدة، وسؤال لطيف يتكرر بنبرة محبة.
في الشوارع كان الناس يبتسمون كما لو أن الفرح عادة يوميا. بائع يمازح، وعابر يفسح الطريق، ومدينة تحسن الإصغاء لخطوات زائرها. أدركت أن وهران لا تزر فقط، بل تعاش؛ وأن الجمال حين يقترن بالذاكرة يصبح وطنا مؤقتا يعلمك أن المدن الكبيرة هي تلك التي تتحرك فيك أثرا صغيرا لايزول.
وللحديث تتمة..

