التصعيد الإيراني–الصهيوأمريكي في ضوء الواقعية الجديدة من توازن القوى إلى صراع على إعادة توزيع النظام الإقليمي
بقلم/ د.نسيمة شرلاح
أولاً: الواقعية الجديدة عند كينيث والتز – بنية النظام قبل سلوك الدولة
يرى Kenneth Waltz أن سلوك الدول لا يُفهم من خلال نوايا القادة، بل من خلال بنية النظام الدولي، التي تقوم على:
الفوضى (غياب سلطة مركزية عليا)
توزيع القدرات بين القوى الكبرى
منطق البقاء الذاتي (Self-help)
وفق هذا المنظور، فإن التصعيد بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية ليس نتيجة قرار ظرفي، بل نتيجة:
اختلال هيكلي في توزيع القوة الإقليمي
سعي قوة مهيمنة (الولايات المتحدة) للحفاظ على موقعها
سعي قوة إقليمية صاعدة (إيران) لمنع احتوائها
في النظام الفوضوي، لا توجد ضمانات أمنية دائمة. لذلك:
تعتمد واشنطن على الانتشار العسكري والتحالفات
تعتمد طهران على الردع غير المتماثل وتوسيع العمق الاستراتيجي
النتيجة ليست “حربًا اختيارية”، بل تفاعلًا بنيويًا حتميًا في نظام غير مستقر.
ثانياً: ميرشايمر والواقعية الهجومية – منطق تعظيم القوة
يذهب John Mearsheimer أبعد من والتز، معتبرًا أن الدول لا تكتفي بتحقيق التوازن، بل تسعى إلى تعظيم قوتها الإقليمية ومنع ظهور منافسين.
وفق الواقعية الهجومية:
القوة العظمى تسعى لاحتكار الهيمنة الإقليمية
القوى الصاعدة تحاول كسر الطوق وفرض مجال نفوذ
في هذا السياق:
ترى واشنطن أن تحجيم إيران ضرورة لمنع تشكّل قطب إقليمي منافس
ترى إيران أن كسر الهيمنة الأمريكية شرط لبقائها كقوة مستقلة
من هنا يصبح التصعيد جزءًا من صراع على إعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط، وليس مجرد رد فعل على حدث أمني.
ثالثاً: معضلة الأمن (Security Dilemma)
توضح الواقعية الجديدة أن:
كل إجراء دفاعي من طرف يُفسَّر هجوميًا من الطرف الآخر.
تطوير إيران للصواريخ يُقرأ كتهديد هجومي
الانتشار الأمريكي يُقرأ في طهران كحصار استراتيجي
وهكذا يدخل الطرفان في حلقة تصعيد ذاتي، حتى دون نية أولية للحرب الشاملة.
رابعاً: الطاقة كمتغير بنيوي في توازن القوى
في ضوء الاقتصاد السياسي للطاقة، تتحول الجغرافيا إلى عنصر بنيوي في توزيع القوة.
يمثل مضيق هرمز نقطة اختناق استراتيجية في النظام العالمي.
وبحسب المنظور الواقعي:
من يتحكم في عقدة الطاقة يمتلك قدرة تأثير تتجاوز حجمه العسكري.
هنا تستثمر إيران موقعها الجغرافي لتعويض الفارق العسكري، ما يُنتج ما يمكن تسميته:
“توازنًا عبر الترابط الاقتصادي”.
الاستشراف بعيد المدى (10–20 سنة)
أولاً: هل يتجه الشرق الأوسط إلى تعددية قطبية إقليمية؟
إذا استمر التراجع النسبي للانخراط الأمريكي، فقد نشهد:
صعود محور إقليمي متعدد الأقطاب
دخول أكبر لـ الصين اقتصاديًا وأمنيًا
تعميق الدور الروسي في موازنة النفوذ الغربي
في هذا السيناريو، يتحول الشرق الأوسط من فضاء هيمنة أمريكية إلى ساحة تنافس بين قوى كبرى متعددة.
ثانياً: احتمالية ترسيخ ردع متبادل مستقر
إذا تطورت القدرات الصاروخية الإيرانية أو النووية، فقد تدخل المنطقة في نموذج يشبه الردع بين الهند وباكستان:
توتر دائم
غياب حرب شاملة
استقرار هش قائم على الخوف المتبادل
هذا السيناريو يعزز فرضية والتز بأن الردع النووي قد يخلق استقرارًا طويل المدى رغم التوتر.
ثالثاً: التحول الطاقوي وإعادة تعريف القوة
خلال العقدين المقبلين، سيؤثر:
التحول نحو الطاقة المتجددة
تقنيات الهيدروجين
كهربة النقل
في تقليص مركزية النفط تدريجيًا.
إذا تراجع الاعتماد العالمي على النفط الخليجي، فإن:
قدرة الضغط عبر المضائق ستنخفض
ستتحول القوة إلى التكنولوجيا والمعادن الاستراتيجية
وهذا قد يُضعف أوراق الضغط الجيوطاقوي التقليدية.
رابعاً: سيناريو سباق التسلح الإقليمي
في حال تطور الردع النووي الإيراني، قد نشهد:
سباق تسلح إقليمي
إعادة تشكيل تحالفات أمنية
تعميق عسكرة الخليج
وهنا يتحقق تنبؤ ميرشايمر بأن غياب الهيمنة الأحادية يُنتج تنافسًا دائمًا.
الخاتمة التحليلية المعمّقة
تكشف الأزمة أن الشرق الأوسط يعيش لحظة انتقال بنيوي من:
نظام إقليمي أحادي الهيمنة → إلى نظام تنافسي متعدد المستويات
في ضوء الواقعية الجديدة:
الصراع ليس شخصيًا ولا ظرفيًا
بل انعكاس لبنية دولية انتقالية
حيث تتراجع الهيمنة الأحادية وتتصاعد قوى إقليمية
الدرس البنيوي الأعمق هو أن:
الحروب في النظام الفوضوي ليست دائمًا نتيجة سوء تقدير، بل نتيجة منطق البقاء ذاته.
على المدى البعيد، سيتحدد شكل المنطقة وفق ثلاثة عوامل:
قدرة إيران على تحويل الردع غير المتماثل إلى ردع مستقر
قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على شبكة تحالفاتها
سرعة التحول الطاقوي العالمي
إذا نجحت المنطقة في تثبيت ردع متبادل دون حرب شاملة، فقد تدخل في مرحلة “سلام بارد طويل”.
أما إذا فشل التوازن، فسنشهد دورات استنزاف متكررة تعيد رسم خرائط النفوذ كل عقد تقريبًا.
في النهاية، لا يحسم المستقبل بعدد الصواريخ،
بل بقدرة الدول على إدارة التحولات البنيوية للنظام الدولي.
