يوميات مواطن سوري في الجزائر (الحلقة السابعة والأخيرة)
عبد الحميد كناكري خوجة
مفكر كاتب حر، فنان وطني شامل
مسك الختام.. حين تصير المحبة وطنا
يقال أن الخواتيم مرايا البدايات، وأن أجمل الكلام مافاح آخره مسكا وعنبرا. وفي ختام هذه اليوميات، لا أضع نقطة نهاية، بل أفتح نافذة أمتنان. فالجزائر لم ولن تكون محطة في العمر، بل صارت نسغا فيه؛ هواء أتنفسه منذ عام 2013 وذاكرة تتجدد كلما مر اسمها في القلب.
تكثفت نشاطاتي الثقافية كما تتكثف الروائح الطيبة حين تقلب في اناء واحد: موسيقى، أدب،شعر، وكتابة. تنقلت بين الولايات كتنقل البلبل الذي يسكب الألحان بين الأغصان في شجرة عظيمة رائعة مباركة إسمها الجزائر، مشاركا في المناسبات، أقرأ وأسمع وأعزف وأروي، وأتعلم_ في كل مرة_ أن الثقافة هنا فعل حياة. ومن رحم هذه المحبة، أعددت مفاجأة فنية للجزائر: أغنيتان بطابع سيمفوني، إهداء صادقا لهذا البلد، تزاوجان في الخاطرة واللحن، بين الإحساس والرسالة.
وبالتوازي، أتهيأ لإطلاق سلسلة تلفزيونية أتقمص فيها شخصية الحكواتي_ واعظا ومسليا في آن_ ثمان حلقات، كل حلقة سبع دقائق، بديكور جزائري أصيل، وموسيقى تصويرية معبرة عن التراث الجزائري العريق وجينيريك يليقان بالمقام، مزمع عرضها في شهر الرحمة والصوم والغفران رمضان. حديثها الجزائر: تاريخا وناسا وقيما، بأسلوب يقرب المعنى ويجيب الرسالة.
وإن كانت بلد الأبجدية الأولى سورية تقاس بجذورها، فإن جذورها بين الجزائر ودمشق عاصمة الياسمين ضاربة ومنذ القرن التاسع عشر منذ قدوم مؤسس دولة الجزائر الحديثة الأمير عبد القادر رحمه الله إلى سورية، حيث تلاقى الوجدانان وتآخى المصيران. محبتنا للجزائر ليست طارئة، كما أن ود الجزائريين لنا ليس عابرا؛ هي قواسم مشتركة من كرامة ونخوة وذاكرة تتوارثها القلوب قبل الكتب.
هنا٫ أفهم الجزائر بوصفها فكرة قبل أن تكون جغرافيا: فكرة الأصالة، وفضيلة التنوع، وحكمة الصبر. وكل ما أنجزته_ وسينجز_ يصب في خانة الوفاء. فإن كان للكلمات عطرا، فليكن هذا الختام مسكا وعنبرا وياسمينا دمشقيا؛ شهادة محبة، ووعد استمرار، واعترافا صريحا: { الجزائر لم أسكنها فحسب بل سكنتني} .
