الاستثمار في الجزائر من بوابة الجالية: رهان اقتصادي على الكفاءات العابرة للحدود

تشهد ديناميكيات الاستثمار العالمية في السنوات الأخيرة تحولات عميقة، مدفوعة بتسارع العولمة المالية وصعود دور الجاليات في دعم اقتصادات بلدانها الأصلية.
وفي هذا السياق، يبرز تنظيم الطبعة الأولى من معرض “الاستثمار في الجزائر” بمنطقة إيل دو فرانس بالعاصمة الفرنسية باريس خلال أفريل 2026، كخطوة نوعية تهدف إلى إعادة صياغة علاقة الجالية الجزائرية بالاقتصاد الوطني، وتحويلها إلى قوة استثمارية منظمة وفاعلة.
نسيمة شرلاح
يأتي هذا الحدث الاقتصادي في لحظة مفصلية تسعى فيها الجزائر إلى تنويع مصادر دخلها وتعزيز جاذبيتها الاستثمارية خارج قطاع المحروقات. ويعكس المعرض توجهاً استراتيجياً نحو استثمار رأس المال البشري للجالية، التي تمثل رصيداً مهماً من الكفاءات والخبرات المتراكمة في بيئات اقتصادية متقدمة.
فالرهان لم يعد يقتصر على تحويلات مالية تقليدية، بل يتجه نحو استقطاب استثمارات نوعية قائمة على نقل المعرفة، وبناء شراكات مستدامة، وإطلاق مشاريع ذات قيمة مضافة عالية.
كما يُنظر إلى الجالية الجزائرية باعتبارها شريكاً اقتصادياً فعلياً يمكنه المساهمة في دعم التحول التنموي إذا ما تم تأطير هذا الدور ضمن رؤية مؤسساتية واضحة.
منصة تفاعلية لتعزيز الشراكات ومحاكاة الأعمال
يعتمد المعرض على مقاربة مهنية تجمع بين العرض والتفاعل، من خلال فضاءات مخصصة لعرض فرص الاستثمار في الجزائر، وندوات تناقش مناخ الأعمال والقطاعات الواعدة مثل الصناعة التحويلية، التكنولوجيا، والطاقات المتجددة.
كما يوفر الحدث فضاءات للتبادل المباشر بين المستثمرين ورواد الأعمال والمؤسسات، بما يسمح ببناء جسور تواصل فعّالة وتسريع تحويل الأفكار إلى مشاريع على أرض الواقع.
ومن أبرز محاور هذه التظاهرة إدراج تجربة “محاكاة الأعمال”، التي تهدف إلى اكتشاف الكفاءات الريادية داخل الجالية. حيث يتم اختيار مشاريع واعدة للاستفادة من مسار دعم متكامل يبدأ بمرحلة ما قبل الاحتضان في فرنسا، ويمتد إلى مرافقة ميدانية في الجزائر، بما يضمن تطويرها وتحويلها إلى مشاريع قابلة للاستمرار.
اقتصاد المعرفة وإعادة تموقع الجزائر استثمارياً
احتضان هذا الحدث داخل فضاء Cube Garges المخصص للابتكار والصناعات الإبداعية يعكس التوجه نحو اقتصاد المعرفة، حيث أصبحت الكفاءة والابتكار محورين أساسيين في خلق القيمة المضافة.
ويقف وراء هذه المبادرة فاعلون جزائريون من الجالية، ينشطون في مجالات ريادة الأعمال والإعلام الرقمي، ويهدفون إلى تنظيم الجهود ضمن منظومة اقتصادية عابرة للحدود، لا تقتصر على جذب الاستثمارات فقط، بل تسعى إلى إنتاج أثر اقتصادي حقيقي داخل الجزائر.
وفي ظل المنافسة الدولية على استقطاب رؤوس الأموال، يمثل هذا المعرض خطوة عملية لتعزيز جاذبية الجزائر الاستثمارية، وربط كفاءاتها بالخارج بمشاريع تنموية داخل الوطن، في انسجام مع الإصلاحات الرامية إلى تحسين مناخ الأعمال وتبسيط الإجراءات وتوفير بيئة أكثر استقراراً للمستثمرين.
يمثل معرض “الاستثمار في الجزائر” تحولاً في مقاربة الدولة والفاعلين الاقتصاديين تجاه الجالية، باعتبارها شريكاً استراتيجياً في التنمية وليس مجرد مصدر تحويلات مالية، بما يفتح آفاقاً جديدة لنموذج اقتصادي أكثر انفتاحاً وتكاملاً بين الداخل والخارج.



