إيران بين “إغلاق التفاوض” وتوسيع الحرب… من الردع إلى فرض المعادلة الإقليمية
تشير مجمل التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة إلى تحوّل نوعي في سلوك إيران خلال الحرب الجارية، حيث لم يعد الصراع يدار بمنطق “الرد الدفاعي” فقط، بل انتقل إلى استراتيجية مركّبة تقوم على التصعيد المحسوب، الاستنزاف طويل الأمد، وتفكيك منظومة التحالفات المعادية. هذا التحول يتجلى بوضوح في ثلاثة مسارات متوازية: إغلاق باب التفاوض، توسيع رقعة العمليات، واستخدام الاقتصاد والطاقة كسلاح ضغط.
أولاً: إغلاق باب التفاوض… رسالة سياسية بقدر ما هي عسكرية
قرار طهران تجاهل رسائل المبعوث الأميركي، في عهد دونالد ترامب، ليس مجرد موقف تكتيكي، بل يعكس تحولاً في العقيدة التفاوضية الإيرانية. فإيران ترى أن أي تفاوض في ظل القصف والضغط العسكري هو “تفاوض تحت الإكراه”، وبالتالي فاقد للشرعية.
هذا الموقف يعكس ثلاث رسائل أساسية:
فقدان الثقة: تعتبر طهران أن واشنطن خرقت قواعد التفاوض عبر التصعيد العسكري أثناء المسار الدبلوماسي.
رفع سقف الشروط: أي اتفاق مستقبلي يجب أن يضمن مصالح إيران وحلفائها، لا مجرد تقييد برنامجها.
ربط التفاوض بالميدان: المفاوضات لن تُفتح إلا بعد تغيير موازين القوى ميدانياً.
بعبارة أخرى، لم يعد التفاوض مدخلاً للحل، بل نتيجة محتملة للحسم النسبي على الأرض.
ثانياً: من الدفاع إلى الهجوم… إعادة تشكيل قواعد الاشتباك
إعلان طهران الانتقال إلى “مرحلة الهجوم” يتجسد في سلسلة عمليات “الوعد الصادق 4”، التي تجاوزت الخمسين موجة. هذه العمليات تكشف عن استراتيجية جديدة تقوم على:
1. ضرب العمق المتعدد
استهداف الأراضي الإسرائيلية
ضرب القواعد الأميركية في الخليج
توسيع العمليات إلى العراق ولبنان
2. تفكيك البنية العسكرية المعادية
التركيز لم يعد على ردود رمزية، بل على:
مراكز التزود الجوي
أنظمة القيادة والسيطرة
الصناعات العسكرية
3. توسيع مسرح الحرب
الهجمات في:
البحرين
بغداد
لبنان
تعكس تحوّل الصراع إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.
ثالثاً: الاستنزاف… نقطة الضعف الأميركية
التقديرات الأميركية التي تشير إلى تكلفة تتجاوز 20 مليار دولار خلال أيام، تكشف أن واشنطن تواجه معضلة الاستنزاف السريع:
استهلاك كثيف للذخائر (آلاف الصواريخ خلال ساعات)
خسائر في الطائرات المسيّرة
نقص في صواريخ “توماهوك”
أخطاء عملياتية (نيران صديقة)
هذا يعيد طرح سيناريوهات شبيهة بحروب طويلة مثل:
حرب العراق 2003
حرب أفغانستان
لكن بفارق مهم: الخصم هنا دولة تمتلك قدرات صاروخية وشبكة حلفاء إقليميين.
رابعاً: مضيق هرمز… السلاح الاستراتيجي الأخطر
يمثل مضيق هرمز نقطة التحول الكبرى في الحرب، حيث تستخدمه إيران كورقة ضغط مزدوجة:
اقتصادياً: تعطيل 20% من إمدادات الطاقة العالمية
عسكرياً: تهديد الملاحة وفرض قواعد اشتباك بحرية
النتيجة المباشرة:
انهيار صادرات النفط الخليجية
ارتفاع عائدات إيران النفطية
ارتباك الأسواق العالمية
وهنا تظهر مفارقة لافتة:
الحرب التي استهدفت خنق إيران اقتصادياً، أدت إلى تعزيز موقعها في سوق الطاقة.
خامساً: تفكك التحالف الغربي… عزلة واشنطن النسبية
من أبرز نتائج التصعيد، بروز تصدع داخل المعسكر الغربي:
رفض أوروبي للانخراط العسكري
تحفظ داخل حلف شمال الأطلسي
تردد دول الخليج في التصعيد
مواقف مستقلة لدول مثل جنوب أفريقيا
هذا يعكس أن:
الحرب لم تعد تحظى بإجماع دولي، بل تُنظر إليها كـ”مغامرة أميركية–إسرائيلية”.
سادساً: الحرب غير المتماثلة… شبكة المحور الإقليمي
تعتمد إيران على نموذج “الحرب غير المباشرة” عبر حلفائها:
عمليات في جنوب لبنان ضد إسرائيل
هجمات على قواعد أميركية في العراق
تصعيد أمني في عدة جبهات
هذا النموذج يمنح طهران:
عمقاً استراتيجياً
توزيعاً للضغط العسكري
تقليل كلفة المواجهة المباشرة
سابعاً: الجبهة الداخلية… تشديد أمني وتماسك سياسي
الإجراءات الداخلية، مثل مصادرة أموال المتعاونين مع “العدو”، تشير إلى:
رفع مستوى التعبئة الداخلية
منع الاختراقات الأمنية
تثبيت الجبهة الداخلية كعنصر صمود
كما أن الخطاب السياسي (لاريجاني، قاليباف) يعكس توحيد النخبة الحاكمة خلف خيار المواجهة.
ثامناً: سيناريوهات المرحلة القادمة
في ضوء هذه المعطيات، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. حرب استنزاف طويلة
الأكثر ترجيحاً
استمرار الضربات المتبادلة دون حسم
ضغط اقتصادي متزايد على الجميع
2. تصعيد شامل
إغلاق كامل لمضيق هرمز
تدخلات عسكرية أوسع
خطر انهيار إقليمي شامل
3. تسوية بشروط جديدة
عودة التفاوض لكن بشروط إيرانية أقوى
إعادة رسم التوازنات الإقليمية
ما يحدث اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل إعادة تشكيل للنظام الإقليمي.
إيران تسعى إلى فرض معادلة جديدة تقوم على:
“الأمن مقابل الأمن، والاستقرار مقابل رفع التهديد”.
وفي المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة استراتيجية:
حرب مكلفة، حلفاء مترددون، وخصم يجيد إدارة الصراع طويل النفس.
وبين التصعيد والانفراج، يبقى العامل الحاسم هو:
من يستطيع تحمّل كلفة الزمن في هذه الحرب؟
