الأفروآسيوية الجديدة: من رؤية مالك بن نبي الحضارية إلى رهانات الجنوب العالمي في القرن الحادي والعشرين

البروفيسور عبد القادر بريش نائب برلماني خبير في القضايا الجيوسياسية والجيواقتصادية

مقدمة: في البدء كانت الفكرة
في تاريخ الأمم، هناك أفكار تولد في لحظة معينة، لكنها تتجاوز حدود زمانها لتصبح مشاريع للمستقبل. ومن بين هذه الأفكار تبرز “الفكرة الأفروآسيوية” التي صاغها المفكر الجزائري مالك بن نبي في خمسينيات القرن الماضي، مستشرفاً ميلاد فضاء حضاري جديد يجمع بين شعوب إفريقيا وآسيا على أساس وحدة المصير التاريخي والتطلع المشترك إلى التحرر والتنمية والنهضة.
وحين التأمت وفود القارتين في مؤتمر باندونغ بإندونيسيا في أفريل 1955، كان العالم يعيش ذروة الاستقطاب الذي فرضته الحرب الباردة، وكانت غالبية شعوب الجنوب لا تزال تكافح من أجل استكمال استقلالها السياسي. غير أن مالك بن نبي لم ينظر إلى المؤتمر باعتباره مجرد تكتل دبلوماسي للدول حديثة الاستقلال، بل اعتبره مؤشراً على بداية تحوّل حضاري عميق في بنية العلاقات الدولية، وهو ما عبّر عنه في كتابه “الفكرة الإفريقية الآسيوية” الصادر سنة 1956.
لقد أدرك بن نبي مبكراً أن نهاية الاستعمار العسكري لا تعني بالضرورة نهاية التبعية، وأن التحرر السياسي لا يكتمل إلا بامتلاك شروط النهضة الحضارية. ولذلك لم تكن الأفروآسيوية عنده مجرد تحالف جغرافي أو سياسي، بل مشروعاً لإعادة بناء الفاعلية التاريخية لشعوب الجنوب وإعادة إدماجها في صناعة الحضارة الإنسانية.
وإذا كان باندونغ قد مثّل لحظة التحرر السياسي، فإن التحولات الدولية الراهنة تدفع نحو مرحلة جديدة يمكن توصيفها رمزياً بالانتقال من “باندونغ الدبلوماسي” إلى “سيول التكنولوجي”. ففي الوقت الذي عبّر فيه مؤتمر باندونغ عن إرادة التحرر من الهيمنة الاستعمارية، تعكس القمة الكورية الإفريقية الثانية المنعقدة سنة 2026، بعد القمة الأولى لسنة 2024، إرادة متزايدة للتموقع داخل الاقتصاد العالمي الجديد من خلال التكنولوجيا والابتكار والمعرفة وسلاسل القيمة العالمية.
أولاً: الأفروآسيوية في فكر مالك بن نبي… من التضامن السياسي إلى المشروع الحضاري
تميّزت مقاربة مالك بن نبي عن كثير من الطروحات السياسية السائدة في عصره بكونها تجاوزت البعد السياسي المباشر إلى أفق حضاري أوسع.
فبينما انشغل كثير من المفكرين بقضايا التحرر الوطني، كان بن نبي يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا بعد الاستقلال؟
لقد رأى أن أزمة المجتمعات المستعمرة لا تكمن فقط في وجود الاستعمار، بل أيضاً في حالة الضعف الحضاري التي سمّاها “القابلية للاستعمار”. ومن ثم فإن بناء النهضة لا يبدأ بخروج المستعمر فقط، بل بإعادة بناء الإنسان القادر على توظيف عناصر الحضارة الثلاثة: الإنسان والتراب والوقت.
ومن هذا المنطلق، اعتبر أن التعاون الإفريقي الآسيوي ينبغي أن يتجاوز حدود التنسيق السياسي الظرفي ليصبح مشروعاً حضارياً قائماً على تبادل المعرفة والخبرات وبناء القدرات البشرية وتحقيق الاستقلال الاقتصادي والثقافي.
لقد كانت الأفروآسيوية عند مالك بن نبي محاولة لإعادة توزيع الفاعلية الحضارية في العالم، ونقل شعوب الجنوب من موقع موضوع للتاريخ إلى موقع فاعل فيه.
ثانياً: التحول الجيوسياسي من «التحرر من المستعمر» إلى «التحكم في سلاسل القيمة العالمية»
شهد النظام الدولي خلال العقود الأخيرة تحولاً جوهرياً في طبيعة مقومات القوة ومصادر النفوذ.
فبعد أن كانت القوة تقاس أساساً بالقدرات العسكرية والموارد التقليدية، أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بالسيادة التكنولوجية، والتحكم في سلاسل القيمة العالمية، والقدرة على إنتاج المعرفة والابتكار.
لقد أعادت التحولات الجيوسياسية والجيواقتصادية الراهنة تعريف مفهوم القوة في العلاقات الدولية، بحيث انتقلت مراكز الثقل تدريجياً من عناصر القوة الصلبة التقليدية إلى عناصر القوة التكنولوجية والمعرفية واللوجستية.
ولم يعد النفوذ الدولي يقاس فقط بحجم الجيوش أو الترسانات العسكرية، بل أيضاً بالقدرة على التحكم في البيانات والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنى التحتية الرقمية والمعادن الاستراتيجية وسلاسل الإمداد العالمية.
في هذا السياق، تكتسب الفكرة الأفروآسيوية بعداً جديداً. فإفريقيا أصبحت تمثل خزاناً استراتيجياً للموارد الحيوية الضرورية للتحول الرقمي والانتقال الطاقوي، بينما أصبحت آسيا مركزاً عالمياً للتصنيع والتكنولوجيا والابتكار.
ومن ثم لم تعد الأفروآسيوية مجرد إطار للتضامن السياسي بين شعوب الجنوب، بل أصبحت إطاراً موضوعياً للتكامل الجيو-اقتصادي وإعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي.
ثالثاً: النموذج الكوري والإمكانات الإفريقية… معادلة «قوة التعاضد الحضاري»
تمثل التجربة الكورية الجنوبية واحدة من أنجح تجارب التنمية في العصر الحديث.
فالدولة التي خرجت من الحرب الكورية منهكة اقتصادياً ومحدودة الموارد الطبيعية، تحولت خلال عقود قليلة إلى قوة صناعية وتكنولوجية عالمية بفضل الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والتصنيع والابتكار.
وفي المقابل، تمتلك إفريقيا مقومات استراتيجية استثنائية، تتمثل في ثرواتها الطبيعية الهائلة، وموقعها الجغرافي الحيوي، ومواردها البشرية الشابة، وآفاقها الاقتصادية الواعدة.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في مجرد تبادل المصالح التجارية، بل في بناء شراكات قائمة على نقل التكنولوجيا، وتوطين المعرفة، وتطوير القدرات الإنتاجية المحلية.
وهنا تبرز راهنية فكر مالك بن نبي من جديد؛ فالرجل لم يكن يعتبر التنمية مجرد تراكم للثروة، بل عملية حضارية يكون الإنسان مركزها ومحركها الأساسي.
فالتكنولوجيا وحدها لا تصنع النهضة، كما أن الموارد الطبيعية وحدها لا تضمن التنمية، وإنما تتحقق النهضة عندما ينجح الإنسان في تحويل الموارد إلى قيمة، والمعرفة إلى إنتاج، والزمن إلى مشروع حضاري.
ومن ثم فإن التعاضد بين الخبرة التكنولوجية الآسيوية والإمكانات الاقتصادية الإفريقية يمكن أن يشكل إحدى أهم روافع بناء فضاء أفروآسيوي جديد أكثر قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.
رابعاً: الدبلوماسية الجزائرية كجسر بين الفلسفة والممارسة
في هذا السياق، تكتسب المشاركة الجزائرية في القمة الكورية الإفريقية الثانية أهمية تتجاوز بعدها الدبلوماسي المباشر.
فالجزائر ليست فقط دولة محورية في القارة الإفريقية، بل تمثل امتداداً تاريخياً لروح باندونغ وحركة عدم الانحياز، كما أنها تحمل إرثاً فكرياً أصيلاً ارتبط بأطروحات مالك بن نبي حول النهضة والتعاون بين شعوب الجنوب.
ومن هذا المنطلق، تدافع الدبلوماسية الجزائرية عن نموذج للشراكة الدولية يقوم على الندية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيداً عن منطق التبعية أو العلاقات غير المتكافئة.
ويتجسد هذا التوجه في الدعوة إلى ربط الاستثمارات الأجنبية بنقل التكنولوجيا، وتعزيز القيمة المضافة داخل القارة الإفريقية، وتكوين الموارد البشرية، ودعم الاندماج الاقتصادي القاري.
كما أن الموقع الجيو-استراتيجي للجزائر، وارتباطها بعمقها الإفريقي والمتوسطي، يؤهلانها للعب دور محوري في الربط بين الأسواق الإفريقية والشركاء الآسيويين، بما يجعلها إحدى البوابات الرئيسية للتعاون الأفروآسيوي في مرحلته الجديدة.
خاتمة: أفق المحور الجديد
تؤكد التحولات الدولية الراهنة أن الأفكار العميقة لا تموت، بل تتجدد بتجدد السياقات التاريخية.
فإذا كان مؤتمر باندونغ قد مثّل لحظة التحرر السياسي لشعوب إفريقيا وآسيا، فإن التحدي المطروح اليوم يتمثل في تحقيق التحرر التكنولوجي والاقتصادي والمعرفي.
ومن هذا المنظور، تبدو الأفروآسيوية الجديدة أقل ارتباطاً بالجغرافيا وأكثر ارتباطاً بالمستقبل؛ فهي ليست مجرد تكتل بين قارتين، بل مشروع حضاري واستراتيجي لإعادة تموقع الجنوب العالمي داخل النظام الدولي الجديد.
لقد رأى مالك بن نبي في باندونغ بداية تحول تاريخي عميق، وربما تسمح لنا التحولات الجارية اليوم بالقول إن العالم يتجه تدريجياً نحو مرحلة تستعيد فيها تلك الرؤية كثيراً من راهنيتها. فبين التحرر السياسي الذي بشّر به باندونغ، والسيادة التكنولوجية التي تجسدها رهانات القرن الحادي والعشرين، يمتد خيط فكري واحد: بناء الإنسان، وإنتاج المعرفة، وتحويل التعاون بين شعوب الجنوب من مجرد تضامن سياسي إلى قوة حضارية فاعلة في تشكيل مستقبل العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى