الأستاذ والمحلل السياسي محمود غويلة: “الرئيس يريدها عهدة اقتصادية بامتياز وعلى الطاقم الحكومي تعبئة الجهود لتحقيق النهضة الاقتصادية”
الأستاذ والمحلل السياسي محمود غويلة: “الرئيس يريدها عهدة اقتصادية بامتياز وعلى الطاقم الحكومي تعبئة الجهود لتحقيق النهضة الاقتصادية”
أوضح الأستاذ والمحلل السياسي محمود غويلة بأنه دستوريا ومع بداية كل عهدة رئاسية جديدة، يتم إنهاء مهام حكومة الحال وتعيين حكومة جديدة مكانها كي تتماشى مع مقتضيات المرحلة الجديدة ولكي تساير البرنامج والاهداف التي تم وضعها من قبل السيد عبد المجيد تبون الرئيس المنتخب لعهدة ثانية.
بعدما حقق الكثير من التعهدات التي قدمها خلال العهدة الرئاسية الماضية، خاصة فيما تعلق منها بالبناء المؤسساتي كتنصيب البرلمان الجديد والمجالس الشعبية الولائية والبلدية، وإنشاء المجلس الدستوري وكذا وضع اطار قانوني يتلاءم مع التوجهات الاستراتيجية المستقبلية من خلال تعديل بعض القوانين والنصوص الهامة، كقانون الاستثمار، قانون الصيرفة، قانون الصفقات العمومية ، قانون البلدية والولاية الجاري دراستهما، تفعيل القوانين المتعلقة بمحاربة الفساد، وبالموازاة إعادة بعث الاقتصاد الوطني من خلال إحقاق بعض الاستثمارات الهامة، المتمثلة في عدة مشاريع استراتيجية كالانطلاق في استغلال منجم الحديد غار جبيلات بمخزون يفوق 4 مليار طن، انجاز خط السكة الحديدية بشار – تندوف -غار جبيلات ب 1100كلم، وكذا خطوط السكة الحديدية المسيلة- بوقزول، بوقزول – الجلفة، والجلفة – الاغواط بمجموع 400 كلم، خطوط السكة الحديدية المنجمية تبسة – عنابة 250 كلم، انطلاق أشغال انجاز مصنع الزنك ببجاية، منجم الفوسفات بتبسة، ميناء الحمدانية بشرشال، الطريق الرابط بين تندوف والزويرات “بموريتانيا” ب 770كلم، المشاريع السكنية بمختلف الصيغ بحوالي مليون سكن وبعض الاستثمارات الفلاحية بجنوب البلاد كزراعة السلجم، تربية المواشي، إنشاء مصنع انتاج الحليب بالبيض، وبالنظر إلى كل هاته المشاريع الهامة.
وأضاف محمود غويلة لا شك بأنه كان من الضروري وضع حكومة كفاءات على شاكلة حكومة حرب بين قوسين لأجل تعبئة كل الطاقات لتنفيذ هذا البرنامج الضخم ولأجل اصطياد كل الفرص الممكنة لإبقاء الاقتصاد الوطني على الديناميكية التي يعرفها الآن والتي تتسم بمنحنى تصاعدي إيجابي، حيث أنّ كل المؤشرات توحي بأنّ الاقتصاد الوطني يتعافى وفي الطريق الصحيح. وهذا ما أكدته التقارير الصادرة عن البنك العالمي وعن الصندوق النقد الدولي، إذ حقق الاقتصاد الوطني مستويات نمو جد معتبرة بمعدل يفوق 4% من الدخل القومي الخام خلال الثلاث سنوات ماضية.
لا شك بأن الابقاء على بعض الوزراء في مناصبهم الأـساسية يعد مؤشرا صريحا للثقة الكبيرة التي يضعها رئيس الجمهورية في شخص هؤلاء المسؤولين لما قدموه من عمل يُثنَى عليه كان له واقعه الإيجابي على القرارات السيادية للدولة خلال تواجدهم ضمن حكومة العرباوي الأولى.
وفي هذا السياق نوّه الأستاذ غويلة بالدور الفعال الذي لعبته كل من وزارتي الخارجية والطاقة في الدفع بعجلة الاقتصاد لاسيما بعد تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية التي عرفت نشاطا كبيرا ومتكاملا خلال السنوات الثلاث الاخيرة ما مكن من الوصول الى ابرام العديد من الاتفاقيات وبروتوكولات التعاون وجلب الاستثمار مع العديد من الدول الشقيقة والصديقة مست أغلب القطاعات الاقتصادية خاصة الطاقة والمناجم والتي تمت بفضل الزيارات الرسمية الناجحة التي قام بها السيد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون خارج البلاد.
أما بالنسبة لوزارة الطاقة فقال أنّه كان لها الفضل في رفع حجم صادرات الجزائر من الغاز نحو اوروبا لتغطي احتياجاتها بنحو 30 بالمائة فضلا عن البدء في الانطلاق في استغلال منجم الحديد بغار جبيلات وانطلاق الاشغال بمنجم الفوسفات بتبسة والزنك ببجاية.
كما أضاف أنّه يجب التنويه كذلك بأنّ رئيس الجمهورية كان يسهر دوما وباستمرار في مراقبة وتقييم الأداء الحكومي من خلال سواءاً اجتماعات مجلس الوزراء الذي يترأسه أو من خلال اللقاءات الدورية التي كان يعقدها مع ممثلي الاعلام والصحافة الوطنية. وفي هذا الصدد أشار إلى التدخلات العديدة للرئيس التي عرفناها خلال فترة حكمه الاولى والتي كانت تهدف لضبط وتوجيه العمل الحكومي وتصحيح بعض المسارات.
أما عن أبرز التحديات الاقتصادية فيرى المحلل السياسي أن معظم أعضاء الحكومة الجديدة من المتمرسين ومن الذين سبق لهم تقمص مناصب وزارية ومناصب عليا في البلاد إلا أن المرحلة القادمة ولطبيعتها الحساسة بسبب الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، تتطلب من كافة الطاقم الحكومي تعبئة الكثير من الجهد لتحقيق النهضة الاقتصادية المرجوة خاصة وأنّ الرئيس يريدها عهدة اقتصادية بامتياز.
واعتبر محمود غويلة أنّ إقرار الحكومة للميزانية الضخمة لسنة 2025 بحدود 126 مليار دولار الأولى من نوعها في تاريخ البلاد، 40% منها مخصصة لميزانية التجهيز أي إنجاز المنشآت القاعدية والمرافق لدليل على التوجه الصريح نحو تحقيق تنمية حقيقية من شأنها التقليص من هوة التخلف ومن التبعية الاقتصادية للخارج.
مؤكدا في ذات الصدد بأنّ الظروف السياسية والاقتصادية الدولية أثرت على إقتصاديات الدول خاصة منها السائرة في طريق النمو وما تقلبات السوق العالمية بسبب الإهتزازات السياسية وظهور بؤر التوتر والحروب في العديد من بقاع العالم على غرار الحرب الروسية- الأكرانية الحرب على غزة التوترات بمنطقة باب المندب و بمنطقة الساحل التي ساهمت في انقطاع سبل وطرق التموين، وبالتالي أوقعت الندرة في بعض المواد الأساسية كالقمح والذرى وارتفاع جنوني في أسعار بعض المواد و السلع الأخرى سواء الموجهة للاستهلاك أو للصناعة والتصنيع كان له الاثر السلبي على اقتصاديات معظم الدول التي عرفت تراجعا تنمويا في كثير من القطاعات لدليل واضح عن تداخل اقتصاديات الدول، وبالتالي فإنّ أبرز تحدي كخطوة أولى يجب وضعه صوب الأعين يكمن في وضع استراتيجية وطنية فعلية لإحصاء ومسح كل القدرات من موارد بشرية، طبيعية ومادية لأجل تسخيرها لإحقاق برنامج تنموي شامل متكامل ومستدام.
ويرى محمود غويلة أنّ الملفات المتعلقة بمؤشرات الاقتصاد الكلي تشكل من بين أهم الملفات التي ستواجهها الحكومة الجديدة في ظل التوقعات المسطرة بالنسبة لميزانيات السنوات المقبلة 2025 إلى 2027 حيث يتوجب عليها المحافظة على مستويات النمو الاقتصادي في حدود معدلات 4.5 الى 4 بالمائة وكذا التضخم في حدود 5 بالمائة والبطالة في حدود ما دون 10 بالمائة.
فبالنسبة لمعدلات النمو الاقتصادي فإن البرامج التنموية المسطرة خاصة المتعلقة بالإستثمار الأجنبي (صيني، تركي، إيطالي) في العديد من القطاعات الاساسية والمقدرة إلى حد الآن بما يقارب 30 مليار دولار إلى غاية آفاق سنة 2030 مع رفع مستويات الانتاج الحالية خاصة تلك المتعلقة بالقطاعين الفلاحي (التطوير الزراعي) والصـنـاعـي (تركيب السيارات) كفيلة بضمان تحقيق المبتغى بشرط أن يتم انجازها في آجالها المحددة ودخولها طور الاستغلال.
وأوضح فيما يخص التضخم فالكل يعلم بأنّ السوق الجزائرية تعتمد في تعاملاتها التجارية على الكتلة النقدية دون غيرها من الوسائل، وفي ظل عدم وجود ما يقابلها من سلع وخدمات تبقى مشكلة التضخم قائمة، وما يُنَمًي هذه المعضلة وجود بالموازاة سوق سوداء تعتمد على كثل نقدية ضخمة تتداول خارج الإطار الرسمي تُقَدَر حسب الخبراء بحوالي ما يعادل 70 مليار دولار.
وبالتالي فإن معالجة مشكلة التضخم تستوجب بالموازاة مع إعمار السوق بالسلع والخدمات بما يقابل تلك الأموال والرفع من حجم الإنتاج الداخلي وتنويعه بما يلبي احتياجات المستهلك، العمل على وضع ميكانيزمات قانونية وتنظيمية لامتصاص الفائض النقدي وإدماجه في السوق الرسمي.
ولعل آخر الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المتعلقة بتشجيع التعامل المالي الالكتروني بعيدا عن التعامل النقدي الورقي يعد خطوة إيجابية في هذا الإطار إذ يضفي شفافية أكثر حول التعاملات التجارية والاقتصادية ويُمَكن الدولة من مراقبة وتنظيم السوق ومن التحصيل الجبائي لدعم الخزينة العمومية.
أما فيما يخص البطالة فكون أن المجتمع الجزائري مجتمع شبابي بامتياز حوالي 60 بالمائة منه دون 65 سنة أي في سن العمل (القدرات العمالية 22 مليون شخص، عدد العمال الفعليين 12.3 مليون شخص، عدد البطالين المسجلين رسميا 1.3 مليون شخص الكثير منهم بتكوين عالي) يستوجب على الحكومة استدراك الوضع بإقرار استراتيجية وخطط عاجلة لفتح مناصب شغل كافية لامتصاص البطالة ومنع التسيب والهجرة إلى الخارج للكفاءات الوطنية التي تعد موردا أساسيا يُعتمد عليه في عملية الإقلاع الاقتصادي.
في هذا السياق، قال غويلة أنّ الحكومة تعتزم بالإضافة إلى الخطة الوطنية للتوظيف والتي من خلالها انشاء ما يقارب مائة ألف منصب شغل السنة المقبلة يمكن لهذه الأخيرة الرجوع إلى النظام السابق المتعلق بالتقاعد المسبق والنسبي الذي بإمكانه التقليص من حدة البطالة وفتح افاق التوظيف لعدد كبير من المواطنين خاصة وأن الصندوق الوطني للتقاعد قد استرجع توازنه في السنوات الأخيرة.
وأكد أنّه لا يمكن إنكار بأن الدولة قطعت أشواطا لا يُستهان بها في سياستها القاضية بالابتعاد تدريجيا على الإعتماد على النفط وذلك بتنويع صادراتها خارج المحروقات والتي بلغت ما يقارب مبلغ 7 مليار دولار بالنسبة للسنة الجارية بعدما كانت في السابق القريب لا تتعدى 1 مليار الدولار في أحسن حال.
وتجدر الإشارة إلى أنّ التوقعات فيما يخص الصادرات خارج قطاع المحروقات ستتواصل في الإزدياد لتصل بحلول سنة 2027 إلى ما يقارب 25 مليار دولار و30 مليار دولار بحلول سنة 2030.
كل هذه المداخيل من شأنها توفير سبل مالية إضافية لتدعيم وتطوير بعض القطاعات للمساهمة في التنمية الاقتصادية على غرار قطاع الزراعة والصناعات التحويلية الغذائية التي بدورها ستساهم في الإكتفاء الذاتي وضمان الأمن الغذائي.
وذكر الأستاذ محمود غويلة بأن اقتصاد المعرفة يشكل في عصرنا هذا أحد الركائز التي تُبنى عليها اقتصاديات الدول لما يوفره من حلول سريعة ومبتكرة لمعالجة مختلف المشاكل التنموية التي تواجهها هذه الدول لاستدراك تخلفها في أسرع وقت. ويُعد قطاع المعرفة ” البحث العلمي والتكنولوجي ” من أهم السُبل للتحصيل المعرفي والإبداعي لتطوير الآداء الاقتصادي للمؤسسات المنتجة التي تعتمد في الغالب على أحدث التقنيات في تطوير منتوجها وجعله أكثر منافسة.
وبالاعتماد على الابتكار يمكن اختصار الطريق للوصول الى مستويات متقدمة من التطور والازدهار. ولعل أحسن مثال على ذلك دولتي اليابان وكوريا الجنوبية اللتان تُعد اقتصادياتها من أهم اقتصاديات العالم بالرغم من افتقارهما للموارد الطبيعية. حيث أنهما تعتمدان أساسا على الابتكار والابداع العلمي والتكنولوجي وهي تُعدان الآن من بين الدول الرائدة في مجال الصناعة.
كما قال بخصوص الرقمنة أنّ لها دور أساسي في معالجة البيانات بدقة وفي أسرع وقت مما يُمَكِن صاحب القرار من التحكم في كل المعطيات التي من شأنها مساعدته في وضع الاستشرافات والخطط والاستراتيجيات الكفيلة بتحديد المناهج والسبل للرقي بالاقتصاد، وبالتالي فإن المحافظة على حقيبة وزارة الاقتصاد المعرفي ضمن الطاقم الحكومي الحالي يُعد قرارا صائبا بالنظر الى ما تتطلع إليه الدولة الجزائرية من رفع قدراتها لمواجهة كل التحديات المتعلقة بأمنها القومي.
توضيح الرؤية المستقبلية بكل صدق ومصداقية، الالتزام بتنفيذ الوعود، تحرير التعاملات الاقتصادية من القيود الإدارية ومن البيروقراطية، حرية المبادرة وحرية نقل رؤوس الأموال، تشجيع ودعم المقاولاتية، إحقاق عدالة شفافة ومنصفة، تعد من اهم النقاط التي يجب على الحكومة التركيز عليها لأجل استرجاع وتعزيز ثقة المستثمرين.
وأبرز محمود غويلة أنّ ميزانيات الدولة قد عرفت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا محسوسا فيما يتعلق بالتحويلات الاجتماعية خاصة منها الأجور والمنح التي كان الغرض منها تحسين الظروف المعيشية للمواطن ورفع من قدرته الشرائية مجابهة للغلاء المعيشي جراء ارتفاع اللامنتهي لأسعار للمواد الأساسية والضرورية. غير أن كل هذه الزيادات بالرغم من نسبها المعتبرة لم تفِ بالغرض المُنشود وباتت غير مُجدِيَة في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وفي ظل ما تشهده السوق من احتكار ومُضاربة للمواد والسلع انهكت العائلات الجزائرية.
وأكد في الأخير أنّ دور الدولة يكمُن بوجه عام والحكومة بوجه خاص في وضع ميكانيزمات إضافية لضبط السوق الوطنية كتسقيف أسعار بعض المواد الأساسية، وكذا إعادة النظر في سياسات الدعم المُنتهجة حاليا واستبدالها بدعم مباشر لفئات مُعَينَة تُحَدد وفق معايير استحقاق موضوعية.
نسيمة شرلاح




