الدكتور محمد خوجة: “التكنولوجيا الرقمية أداة مركزية لتجسيد السلطة وتجريدها”
مساهمة الدكتور محمد خوجة حول التكنولوجيا الرقمية.
نحن نعيش اليوم في عصر الرقمنة، الذي يُشير إلى صعود نموذج معرفي جديد للسلطة، والذي يعيد تعريف كيفية إدارتها وتفاعلها مع المجتمع.
و في هذا السياق، أضحت التكنولوجيا الرقمية أداة مركزية لتجسيد السلطة وتجريدها، مما يجعل التعقيد الهائل للعالم الاجتماعي أكثر وضوحًا وقابلية للإدارة. من خلال الاستعارات الجديدة التي تقدمها الرقمنة، تتحول السلطة إلى كيان يعمل عبر البنى التحتية الرقمية، الذكاء الاصطناعي، والخوارزميات، التي تعيد تشكيل فهمنا للواقع وتوجيهه.
تنظر الحداثة الرقمية إلى المجتمع ليس ككيان جامد، بل كنسق عضوي وحيوي، يمكن قيادته وتحفيزه من خلال الأدوات الرقمية. هذا التحول المعرفي له عواقب بعيدة المدى على جميع جوانب الحياة، من الحركات الاجتماعية التي تعتمد على المنصات الرقمية للتعبئة والتواصل، إلى تخطيط المدن الذكية التي تعتمد على البيانات الضخمة، وحتى العلوم الاجتماعية التي تعيد تعريف مفاهيمها من خلال عدسة علم التعقيد.
ولا يقتصر تأثير التكنولوجيا الرقمية على تغيير الاقتصاد السياسي للدول فحسب، كما يُشير مفهوم “الرأسمالية الرقمية”، بل تُشكل أيضًا أساسًا لشكل جديد من الحداثة. وهي حداثة تتحدد من خلال منطق ثقافي متميز، يعتمد على طرق جديدة للمعرفة وإدارة المعلومات. ففي عصر الرقمنة، أصبحت السلطة تعتمد بشكل متزايد على التجريد، حيث يتم تحويل الواقع المعقد إلى نماذج وفئات ومقاييس قابلة للتحليل والتنظيم.
لكن هذا التجريد لا يخلو من تحديات. فالواقع، سواء في طبيعته أو في تعقيداته الاجتماعية، لا يمكن اختزاله بالكامل إلى بيانات أو خوارزميات. السلطة تحتاج إلى “خرائط” لفهم العالم وتوجيهه، ولكن هذه الخرائط، بحكم طبيعتها، تقلل من تعقيد الواقع وتتجاهل جوانب معينة منه. وهذا يعني أن الرقمنة، رغم قدرتها على تعزيز الكفاءة والتنظيم، قد تؤدي أيضًا إلى إغفال جوانب إنسانية واجتماعية لا يمكن قياسها بسهولة.
في هذا السياق، يصبح دور المجتمعات أكثر أهمية من أي وقت مضى. فمع الرقمنة، أصبحت المجتمعات قادرة على التواصل بشكل أوسع، والتعلم بسرعة أكبر، والتعبئة بفاعلية غير مسبوقة. هذه القدرات الجديدة تمنح المجتمع قوة موازنة في مواجهة السلطة، مما يفتح الباب أمام أشكال جديدة من التفاعل والتأثير. ومع ذلك، يبقى السؤال: كيف يمكننا ضمان أن تُستخدم هذه الأدوات الرقمية لتعزيز العدالة والشفافية، بدلاً من تعميق الفجوات الاجتماعية والسياسية؟
