بشير مصيطفى: «صناعة الغد».. رؤية استشرافية تبني مستقبل الجزائر بشباب واعٍ ويقظة إعلامية متجددة

 بشير مصيطفى
بشير مصيطفى/ صاحب مبادرة “صناعة الغد”

في زمن تتسارع فيه التحولات وتتشابك التحديات، تزداد الحاجة إلى رؤى بعيدة المدى تتجاوز اللحظة الراهنة وتضع أسسًا راسخة لمستقبل مستقر وواضح المعالم. من بين الأسماء البارزة التي اختارت خوض هذا المسار بعقلية استشرافية ووعي معرفي، يبرز اسم الوزير الأسبق بشير مصيطفى، صاحب مبادرة “صناعة الغد”، التي انطلقت من رحم التجربة الحكومية لتصبح اليوم مؤسسة ذات امتداد فكري وثقافي واسع. في هذا الحوار الخاص مع “دينا براس”، يفتح مصيطفى لنا أبواب التجربة، كاشفًا عن رؤيته العميقة لمفهوم الاستشراف، موقع الإعلام في الثورة الرقمية، ودور الشباب في بناء الغد.


حوار: نسيمة شرلاح | دينا براس


  • بداية، نود أن نعرف منكم فكرة تأسيس “المؤسسة الجزائرية صناعة الغد”… كيف وُلدت هذه المبادرة؟ وما الدافع الأساسي وراء إنشائها؟

الفكرة تعود إلى سنة 2000، عندما كنت مديرًا مركزيًا للاستشراف والدراسات بوزارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في حكومة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة. مارست الاستشراف القطاعي ضمن إعداد قانون المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ولاحظت أهميته في تطوير القطاع. لاحقًا في 2012، عينت كاتب دولة مكلفًا بالاستشراف والإحصائيات، وأنتجنا نموذج نمو للفترة 2013-2019 تمت المصادقة عليه في مجلس الحكومة. بعد خروجي من الحكومة في 2013، أسست في 2014 مبادرة “صناعة الغد” كمشروع تطوعي علمي ثقافي يمتد إلى 2044، بهدف متابعة مؤشرات الاقتصاد والمجتمع الجزائري، ونجحنا في بناء شبكة واسعة من الجمعيات والفضاءات المحلية والدولية. وعندما عدت إلى الحكومة في 2020، تأسست المؤسسة رسميًا في 2024 لبدء المرحلة الثانية من المشروع.

  • ما الذي يميز هذه المؤسسة عن غيرها من المؤسسات الفكرية أو البحثية في الجزائر؟

المؤسسة نوعها “Think Tank” أو مؤسسة تفكير تنتج السياسات، لكنها تعمل ضمن نسيج المجتمع المدني بموجب قانون الجمعيات، وهذا أمر نادر في الجزائر والعالم العربي. هي مؤسسة علمية ثقافية تهدف لإشراك جميع أطياف المجتمع، من خبراء وأكاديميين وعائلات وشباب، في اقتراح حلول تنموية شاملة ومحلية. خطة عمل المؤسسة تمتد لعشر سنوات (2025-2034) وهي المرحلة الثانية من مبادرة صناعة الغد التي تمتد إلى 2044.

  • كيف تُعرّفون “الاستشراف” في سياق عمل المؤسسة، وما علاقته بالواقع الجزائري؟

الاستشراف في منظوري ومبادرة صناعة الغد هو ثقافة مجتمع قبل أن يكون أداة حكومية. نحرص على إشراك النخبة في رصد مؤشرات وإحصائيات المستقبل المتوسط والبعيد، ونفكر في أفق 2050. مخرجات المؤسسة تشمل كتبًا سنوية للدراسات الاستشرافية، مجلة علمية محكمة، ونشرة شهرية لليقظة تتضمن عرضًا للمشكلات الوطنية مع بياناتها المستقبلية وحلولها التطبيقية.

  • ما هي الأهداف الكبرى التي تسعى المؤسسة إلى تحقيقها على المدى المتوسط والطويل؟

نسعى إلى اقتراح حلول تنموية بعيدة المدى مبنية على دراسات علمية وخبرات ميدانية، والمساهمة في تصميم سياسات التنمية المحلية، وإشراك جميع فئات المجتمع – خاصة الخبراء والشباب والعائلات – في مناقشة مشكلات التنمية واقتراح الحلول. نهدف أيضًا إلى تحقيق إجماع وطني حول رؤية المستقبل، ونشر ثقافة الاستشراف، وتعزيز الديمقراطية التشاركية وربط الجالية بالخارج بوطنها.

  • هل للمؤسسة دور في التأثير على السياسات العمومية، وخاصة في مجالات مثل الإعلام، الاقتصاد، أو التعليم؟

نأمل ذلك، وهذا هدفنا في أفق 2044. مخرجات المؤسسة ليست ملزمة للحكومة، بل مكملة لها وفقًا لدور المجتمع المدني، وتعتمد على دراسات محينة وإحصائيات دقيقة. دور المؤسسة يظل علميًا ثقافيًا تطوعيًا غير ملزم، ويجسد التعاون مع نسيج المجتمع المدني الجزائري الكبير والمتنوع.

  • كيف تواكب المؤسسة التحولات العالمية، لا سيما في ظل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي؟

كون المؤسسة مبادرة جمعوية استشرافية، فإن أساس عملها هو الاندماج في تحولات المستقبل الرقمية والتكنولوجية كالذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء. لا يمكننا أن نعمل بمعزل عن هذه التحولات، لكن نحرص أن يكون ذلك متماشيًا مع ثقافة المجتمع ودينه وتراثه.

  • حدثنا عن فكرة “فطور الصباح الاستشرافي” وكيف تحولت هذه المبادرة إلى موعد شهري منتظم؟

فكرة “فطور صباح الاستشراف” ذكية لأنها تمثل حلقة نقاش مركزة شهريًا، تحت تأطير خبراء في 17 قطاعًا نطلق عليها “اليقظات”، تستند إلى إشارات ومعطيات مستقبلية رقمية. هي جلسة عصف ذهني تنتهي بنشرة اليقظة التي توجه للسلطات الإعلامية والحكومية وشبكات التواصل.

الاستشراف في منظوري هو ثقافة مجتمع قبل أن يكون أداة حكومية. نحرص على إشراك النخبة في رصد مؤشرات المستقبل ونفكر في أفق 2050، لنقدم حلولًا تنموية مبنية على دراسات علمية وخبرات ميدانية..

  • ما المعايير التي تعتمدونها لاختيار المواضيع والضيوف في هذه اللقاءات؟

نعتمد أولًا على تميز الموضوع وصلته بأولويات النمو الوطني وأهداف الحكومة، ثم نختار الضيوف بناء على تخصصهم وخبرتهم وإنتاجهم العلمي، سواء من الداخل أو الخارج. وأخيرًا نحرص على أن يكون المحتوى عمليًا وتطبيقيًا، وليس نظريًا بحتًا أو فلسفيًا.

  • خلال الطبعة الأخيرة، كرّمتم عددًا من القنوات التلفزيونية… ما هي الرسائل التي أردتم إيصالها من خلال هذا التكريم؟

كان ذلك تقديرًا لدور الإعلام والأسرة الصحفية في تسويق مخرجات “صناعة الغد” وإيصالها للسلطات ووسائل الإعلام. نحن نعمل على إنشاء “المركز الإعلامي للمؤسسة الجزائرية صناعة الغد” الذي سيكون أول مركز إعلامي استشرافي في الوطن والمغرب العربي والعالم العربي.

  • أشرتم في مداخلتكم إلى “منظومة اليقظة الإعلامية” التي أطلقتها المؤسسة منذ 2014، ما طبيعتها؟ وكيف تعمل؟

اليقظة الإعلامية هي منظومة فكرية لتعزيز الإعلام الملتزم بقضايا الوطن ومستقبله. تعتمد على المقاربة الاستشرافية لاكتشاف تحولات المستقبل الوطني المهمة. تستهدف تعزيز قيم الالتزام بالخط الوطني وقيم الثورة، مع دمج إيجابي وذكي لتقنيات الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي.

  • ما تقييمكم للمشهد الإعلامي الجزائري اليوم؟ وأين تكمن نقاط القوة والضعف فيه؟

الإعلام الجزائري اليوم يتميز بحرية التعبير وتعدد وسائل الإعلام، من صحف وقنوات تلفزيونية وإعلام رقمي، ويشغل جمهورًا واسعًا. المنجز كبير، لكننا نحتاج إلى تطوير المحتوى وتركيز أكبر على الإعلام الرقمي. التحدي المقبل يكمن في تأهيل الإعلاميين للتعامل مع الإعلام المستقبلي وفقًا لأفق 2044.

  • هل ترون أن الإعلام الجزائري يسير في اتجاه استشرافي أم ما يزال رهين الآني والتقليدي؟

حتى الآن لا يوجد إعلام مستقبلي أو استشرافي حقيقي بسبب ضعف تدريس الاستشراف في الجامعات وضعف ثقافته لدى الجمهور. لذلك قررنا إطلاق “مركز صناعة الغد الإعلامي” المتخصص في الإعلام الاستشرافي المبني على ثقافة الاستشراف واليقظة الإعلامية.

  • لاحظنا مشاركة قوية من الإعلاميين الشباب في الفعالية الأخيرة… كيف تتعامل المؤسسة مع طموحاتهم وتخوفاتهم؟

المبادرة منذ تأسيسها استهدفت الأطفال والشباب عبر فعاليات اليقظة التربوية، مؤمنة بأن شباب اليوم هم صناع الأفكار والسياسات غدًا. ولذا كان انخراط الشباب في المؤسسة واسعًا جدًا، بنسبة 100% من المنخرطين في بداية عملنا في مختلف الولايات.

  • ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الجيل الجديد من الصحفيين في تجديد الخطاب الإعلامي في الجزائر؟

على الصحفيين الشباب التمسك بثوابت الأمة وقيم نوفمبر، والدفاع عن الخيارات الوطنية محليًا وإقليميًا ودوليًا، وتسويق مخرجات النشاط الجمعوي الجاد بشكل إيجابي، وتجنب إثارة المحتوى السلبي أو الترفيهي. المطلوب إثارة أسئلة المستقبل وإيجاد أجوبة على تحديات الحاضر.

نحن نؤمن بأن طفل اليوم وشاب اليوم هو المنتج للأفكار والسياسات في المستقبل، وهو نفسه مسؤول عن الغد، لذلك يحظى الشباب بأولوية قصوى في مبادرتنا، حيث يشكلون نسبة 100% من منخرطي المؤسسة منذ تأسيسها

  • هل لديكم مشاريع أو برامج موجهة خصيصًا لفائدة الشباب الجامعي أو الإعلامي الناشئ؟

نعم، لدينا منظومات عدة تستهدف الشباب، مثل اليقظة الاجتماعية، الرياضية، التربوية، العلمية، والفنية، تعتمد على الإنترنت والذكاء الاصطناعي، وتشجع المحتوى الفني الملتزم والمتفاعل مع توجهات الفن العالمي.

  • ما هي التوصيات الأبرز التي خرجتم بها من آخر لقاء؟ وهل يتم فعلاً إيصالها إلى الجهات الرسمية؟

آخر نشاط كان “فطور صباح الاستشراف” في ماي 2025 حول اليقظة الإعلامية والإعلام المستقبلي، بإطار الإعلامي والكاتب محمد بوعزارة. والنشاط القادم هو ملتقى وطني لمكافحة الإدمان يوم 25 جوان 2025. جميع مخرجات فعاليات المؤسسة تُرسل لجميع مستويات الدولة، من رئاسة الجمهورية إلى الوزارات المعنية.

  • كيف يمكن للباحثين، الإعلاميين، أو مؤسسات الدولة التفاعل مع المؤسسة والمساهمة في رؤيتها؟

فعاليات المؤسسة مفتوحة للجميع من علماء ومثقفين، ومنشوراتنا متاحة للباحثين من الداخل والخارج. لدينا مجلس علمي من 25 بروفيسور وهيئة استشارية من 25 شخصية وطنية، ومركز إعلامي ومركز دراسات الاستشراف. التحدي هو نقص الدعم المادي والمقر، وندعو للتعاون لتجاوز هذه العقبات.

  • ما رسالتكم للجهات الوصية على قطاع الإعلام، في ظل النقاشات التي تثيرها الرقمنة والذكاء الاصطناعي؟

أدعو الحكومة، عبر قطاع الاتصال، إلى وضع إعلام المستقبل واليقظة الإعلامية ورقمنة الإعلام ضمن أولوياتها، من خلال برامج تطوير وتدريب وتأهيل الإعلاميين، وتسهيل الوصول للمعلومات، وتحسين ظروف حياة الأسرة الإعلامية لتتمكن من مواكبة تطورات الإعلام الحديث.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى