في ذكرى رحيله الـ36… ندوة فكرية في الجزائر حول الإمام الخميني وفكر الصمود والمقاومة: “غزة نموذجًا”
تنظم سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالجزائر، غدا الأربعاء 03 جوان 2025، ندوة فكرية مميزة بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لرحيل مؤسس الثورة الإسلامية الإيرانية الإمام روح الله الموسوي الخميني، تحت عنوان: “فكر الإمام الخميني في الصمود والمقاومة… غزة نموذجًا”، وذلك بحضور نخبة من الأساتذة والمفكرين والدبلوماسيين والمهتمين بقضايا الأمة، في فعالية تجمع بين استحضار التاريخ وبوصلة المستقبل.
في ذكرى الرحيل الـ36… الإمام الخميني: روح الثورة ونبض الأمة
تحلّ اليوم الذكرى السادسة والثلاثون لرحيل الإمام روح الله الموسوي الخميني، الرجل الذي غيّر معادلات الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، وبصم على القرن العشرين بإرادة لا تلين، وعقيدة لا تهزم، وفكر أسس لنهج جديد في مقاومة الاستكبار العالمي.
ميلاد قائد.. ونشأة عالم رباني
في بلدة خمين الإيرانية، وُلد الإمام الخميني عام 1900، يتيمًا منذ شهره السادس بعد استشهاد والده، فنشأ في كنف والدته وعمه، مشبعًا بروح العلم والإيمان. تلقّى علومه الأولى على يد أخيه السيد مرتضى، وما إن بلغ الخامسة عشرة حتى كان قد أنهى مراحل المقدمات، لينتقل إلى مدينة آراك ثم إلى الحوزة العلمية في قم، حيث تفتحت معالم شخصيته العلمية والروحية، وصار من أبرز علمائها.
صوت الحق في وجه الطغيان
منذ الأربعينيات، بدأ الإمام الخميني بتوجيه سهام النقد إلى نظام الشاه محمد رضا بهلوي، وهاجم علنًا سياساته الموالية للغرب والصهيونية. في عام 1963، انفجر صوته الهادر في خطاب تاريخي ندد فيه بالشاه وأميركا و”إسرائيل”، ما أشعل انتفاضة شعبية كبرى. لم تنجح محاولات النظام في كتم صوته رغم الاعتقالات والنفي، إذ بقي خطابه صوتًا للمستضعفين، وشرارةً في وجدان الشعب الإيراني.
ثورة من المنفى… والعودة الظافرة
قادت خطوات الإمام الخميني الثورة من المنفى، متنقلًا بين العراق وتركيا ولبنان وفرنسا، ليعود إلى إيران في الأول من شباط/فبراير 1979 وسط استقبال شعبي غير مسبوق. وفي الحادي عشر من الشهر نفسه، سقط نظام الشاه وسُجل ميلاد الجمهورية الإسلامية، في لحظة تاريخية هزّت أركان الأنظمة التابعة للقوى الغربية.
في “حسينية جماران” بطهران، تولّى الإمام قيادة الدولة الفتية، مواجهًا حصارًا اقتصاديًا وحربًا ضروسًا (الحرب العراقية الإيرانية)، لكنه لم يتراجع، بل قاد الأمة بصبر استثنائي وبصيرة ملهِمة.
القدس… في قلب الإمام وقضيته
لم تكن فلسطين بالنسبة للإمام الخميني قضية موسمية أو ورقة سياسية، بل كانت عنوانًا دائمًا في خطابه الجهادي. ففي السابع من أغسطس 1979، أطلق الإمام “يوم القدس العالمي”، داعيًا المسلمين إلى جعل آخر جمعة من شهر رمضان يومًا عالميًا لنصرة القدس.
قال الإمام حينها:
“يوم القدس يوم عالمي، ليس فقط يوما خاصا بالقدس، إنه يوم مواجهة المستضعفين مع المستكبرين…”
لقد أراد من هذا الإعلان تعبئة الأمة باتجاه القدس، باعتبارها رمزًا للوحدة الإسلامية، وميدانًا للصراع بين الحق والباطل.
رحيل الإمام… وميلاد نهج
في الثالث من يونيو 1989، أغمض الإمام الخميني عينيه للمرة الأخيرة في أحد مستشفيات طهران. لكنه لم يرحل إلا جسدًا، أما فكره ومشروعه الثوري فقد أصبحا مدرسة يتخرج منها الأحرار في كل زمان ومكان. شيّع الإمام أكثر من سبعة ملايين شخص، في مشهد جنائزي هو الأضخم في القرن العشرين، ودفن في مقبرة “بهشت زهراء”، إلى جانب رفاق دربه من شهداء الثورة.
وصايا خالدة… وكلمات خالدة
كتب الإمام وصيته الأخيرة للأمة الإسلامية، فكانت بيانًا تاريخيًا في الوعي السياسي والديني، أوصى فيها الإيرانيين بالحفاظ على نعمة الثورة، وشجع الشعوب الإسلامية على مقاومة الحكام التابعين للمستعمرين.
قال رحمه الله:
“اعرفوا قدرها كأعز ما لديكم… واذا لم تستجب حكوماتكم الجائرة لإرادة الشعوب، فأجبروها بكل قوة على الاستجابة لذلك…”
تراث فكري وعقائدي خالد
خلف الإمام إرثًا فكريًا ضخمًا، تمثّل في مؤلفات شكلت عمق الثورة الإسلامية، من بينها: “الحكومة الإسلامية”، “الأربعون حديثًا”، “جهاد النفس”، “كشف الأسرار”، “مصباح الهداية”، “آداب الصلاة”، وغيرها من الكتب التي تربط الفقه بالسياسة، والروح بالعقيدة، والجهاد بالأخلاق.
رحل الإمام الخميني، لكنه بقي في ضمير الأمة، ملهِمًا ومعلّمًا. كلماته لا تزال تعبق بالإيمان، وتبث الإرادة في قلوب الأحرار، ومسيرته تُدرّس كملحمة غيرت التاريخ. لقد أعاد للأمة الإسلامية ثقتها بنفسها، وأسقط وهم “أن العين لا تقاوم المخرز”، لتكون كلمته الأخيرة بمثابة وعد: “وإن غدًا لناظره قريب…”.
نسيمة شرلاح
