قانون البلدية الجديد: ثورة تشريعية لأخلقة العمل السياسي و تعزيز الشفافية
في خطوة وصفها المتابعون بـ”الثورية”، كشفت الحكومة عن القانون الجديد للبلدية، الذي يتضمن مجموعة من التدابير الصارمة، تهدف إلى محاربة الفساد، تعزيز الشفافية، وإعادة الاعتبار للمجالس البلدية كمؤسسات قاعدية في خدمة المواطن. وقد حمل القانون مجموعة من الإصلاحات الجريئة غير المسبوقة في تاريخ المجالس المحلية.
إقصاء المتورطين والفساد السياسي من الترشح
أولى مفاجآت القانون كانت في منع كل من تولى عهدتين انتخابيتين سابقتين من الترشح مجددًا، وهو إجراء يهدف إلى ضخ دماء جديدة في العمل السياسي المحلي، والحد من احتكار المناصب.
كما تم منع موظفي الجماعات المحلية المقيمين في نفس البلدية من الترشح فيها، لضمان الحيادية في تسيير الشأن المحلي، وهو ما يندرج ضمن سياسة فصل الإدارة عن السياسة.
أما من حيث النزاهة المالية والإدارية، فقد شدد القانون على ضرورة إثبات الوضعية الجبائية للمترشح، حيث سيتم اعتماد نظام رقمي صارم للكشف عن المتهربين ضريبيًا، وهو ما سيمكن من غربلة حقيقية للمرشحين.
محاربة “المال الفاسد” و”التجوال السياسي”
من أبرز النقاط التي أثارت ارتياحًا شعبيًا واسعًا، ما جاء في القانون من إقصاء نهائي لأصحاب المال الفاسد، ومنع كل من تحوم حولهم شبهات الفساد أو من استفادوا من قروض بنكية أو دعم من وكالات تشغيل الشباب مثل ANSEJ وANGEM وغيرها، دون تسوية وضعياتهم.
كما تم التأكيد على منع المتورطين أو المتابعين قضائيًا من الترشح، إلى جانب إقصاء رؤساء المجالس الذين تسببوا في سوء تسيير أو تجميد بلدياتهم، مما يعني نهاية عهد “الحصانة السياسية”.
وفي إطار أخلقة العمل السياسي، نصّ القانون على منع “التجوال السياسي”، سواء قبل الترشح أو بعده، ما يحد من ظاهرة التنقل الانتهازي بين الأحزاب لأغراض انتخابية.
آليات جديدة لاختيار “المير” وتقليص عدد النواب
وحسم القانون الجديد الجدل المزمن حول كيفية انتخاب رئيس المجلس الشعبي البلدي، حيث يُمنح المنصب مباشرة لأعلى قائمة فائزة من حيث عدد المقاعد والنسبة المحصل عليها، وفي حال التساوي يتم اللجوء إلى الانتخاب السري بين المعنيين.
في ذات السياق، تم تقليص عدد نواب “المير” من أربعة إلى اثنين فقط، حسب الكثافة السكانية، مع ترتيب الصلاحيات حسب عدد الأصوات المحصل عليها، وهو ما يعزز منطق الشرعية الشعبية.
ضمان الحوكمة و الرقابة الصارمة على التسيير
من أهم الميكانيزمات الرقابية الجديدة التي جاء بها القانون:
تعيين ضابط لمراقبة مشاريع البلدية ومرافقتها ميدانيًا.
تحويل الأمناء العامين من بلدياتهم الأصلية إلى أخرى لضمان الحيادية.
سن قانون جديد للصفقات العمومية تُمنح بموجبه الصفقات عبر لجنة ولائية، مما ينهي مظاهر المحسوبية في المشاريع المحلية.
إلزام المنتخبين بأداء اليمين القانونية على المصحف الشريف في جلسة علنية بحضور السلطات القضائية، وهو إجراء رمزي لكنه يحمل دلالة أخلاقية قوية.
الشفافية والمساءلة أمام المواطن
أهم ما يميز القانون الجديد هو تكريس مبدأ الشفافية والمساءلة، عبر:
عرض الحصيلة السنوية للمجلس البلدي على الرأي العام المحلي، من خلال مختلف الفعاليات والمجتمع المدني.
نشر تقارير لجان المجلس البلدي بشكل دوري.
تطبيق المحاسبة عند تسليم المهام بين رؤساء المجالس المنتهية عهدتهم وخلفائهم.
تحديث المالية المحلية وتعزيز موارد البلديات
كما يسعى القانون إلى تطوير الجباية المحلية وتنويع مداخيل ممتلكات البلدية، بما يضمن تمويلًا ذاتيًا يسمح بتحقيق مشاريع تنموية مستقلة عن المركزية المفرطة.
نقلة نوعية في الحوكمة المحلية
القانون الجديد للبلدية ليس مجرد تعديلات شكلية، بل هو إعادة تأسيس حقيقية لمؤسسة البلدية، في اتجاه أكثر شفافية، فعالية، وأخلاقية. ويبقى التحدي الأكبر في تطبيق هذه الإصلاحات على أرض الواقع، وضمان عدم الالتفاف عليها تحت أي ذريعة سياسية أو إدارية.
نسيمة شرلاح.
