الجزائر تناور بعيدا عن باريس:”زيارة تبون إلى الفاتيكان وملامح تحول جزائري نحو أوروبا متعددة الأقطاب”

زيارة الرئيس الجزائري إلى إيطاليا والفاتيكان: قراءة في تحوّل استراتيجي بعيدًا عن النفوذ الفرنسي.

في خطوة تعبّر عن إعادة تموضع محسوب للجزائر على الساحة الأوروبية والدولية، قام الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بزيارة رسمية إلى إيطاليا، تخللتها محطة بارزة في دولة الفاتيكان للقاء البابا فرنسيس. زيارة قد تبدو في ظاهرها بروتوكولية، لكنها في عمقها تحمل رسائل سياسية واقتصادية ودبلوماسية مركّبة، وتدل على تحوّل استراتيجي في سياسة الجزائر الخارجية، يبتعد تدريجيًا عن التأثير الفرنسي التقليدي داخل الاتحاد الأوروبي، ويستثمر في تحالفات مرنة وثنائية أكثر واقعية.

بقلم الكاتبة والإعلامية/ نسيمة سرلاح


تجاوز الإرث الفرنسي في أوروبا

تبدي الجزائر في السنوات الأخيرة تململًا متزايدًا من الشراكة الاقتصادية الموقّعة مع الاتحاد الأوروبي سنة 2005، والتي تراها غير متكافئة ومجحفة. ويُتهم النفوذ الفرنسي داخل مؤسسات الاتحاد بأنه العائق الرئيسي أمام إعادة التفاوض حول هذه الاتفاقية. ومن هنا، تأتي زيارة الرئيس تبون إلى إيطاليا كمؤشر واضح على رغبة الجزائر في الانتقال إلى نمط جديد من العلاقات الثنائية، بعيدًا عن “التكتلات المُسيَّرة” من باريس.

تمثل إيطاليا، الشريك الطاقوي الموثوق للجزائر، بوابة أوروبية بديلة لتوسيع التعاون في ملفات الغاز، الصناعة، والتحول الرقمي، دون المرور من القنوات الفرنسية المتحكمة في القرار الأوروبي. وهذا الرهان ينسجم مع توجّه جزائري أوسع لإعادة توزيع الشراكات الإقليمية والدولية بناءً على مبدأ المنفعة المتبادلة واحترام السيادة.

البعد الدبلوماسي والرمزي للقاء البابا

زيارة تبون للفاتيكان ولقائه بالبابا فرنسيس تتجاوز الإطار الديني أو البروتوكولي. فقد جاءت في توقيت حسّاس، وسط تصاعد العدوان على غزة، وصمت أوروبي شبه تام. من خلال هذا اللقاء، سعت الجزائر إلى تفعيل البعد الروحي – الأخلاقي للكنيسة الكاثوليكية، التي يمكن أن تلعب دورًا معنويًا ضاغطًا على العواصم الأوروبية في ما يخص القضية الفلسطينية.

في هذا السياق، استُحضرت رسالة الأمير عبد القادر الجزائري في القرن الـ19 لحماية المسيحيين في المشرق، لتذكير الغرب بأخلاقيات التضامن العابرة للأديان. وقد بدا واضحًا أن الجزائر تراهن على توظيف الرمزية التاريخية والدينية كأداة دبلوماسية ناعمة لإحداث اختراق في الجمود الأوروبي حيال المأساة الفلسطينية.

تحضير قنوات مستقبلية للنفوذ الأميركي

الجدير بالانتباه، أن البابا الحالي فرنسيس هو أول بابا من الأمريكيتين (أرجنتيني الأصل، لكن له علاقات عميقة مع التيارات الكاثوليكية في الولايات المتحدة، خاصة في شيكاغو). ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة هذه الزيارة أيضًا كجزء من محاولة جزائرية لاستكشاف قنوات تواصل غير تقليدية مع الإدارة الأميركية.

تعزيز التعاون الاقتصادي خارج المظلّة الأوروبية

على هامش الزيارة، تم توقيع اتفاقية استراتيجية بشأن كابل بحري جديد للأنترنت يربط الجزائر بإيطاليا، في إشارة إلى توسع التعاون نحو قطاعات التكنولوجيا والاتصال. كما يجري التفاوض على مشاريع استثمارية في قطاعي الطاقة والتصنيع، ما يعكس رغبة الطرفين في ترسيخ شراكة مستقلة عن البيروقراطية الأوروبية.

الجزائر التي تعتبر حاليًا مزودًا رئيسيًا للغاز الطبيعي إلى أوروبا، ترى في هذه الشراكات وسيلة لتعزيز أمنها الطاقوي والاقتصادي، وفي الوقت نفسه أداة ضغط استراتيجية في التعامل مع المؤسسات الأوروبية.

استراتيجية جديدة لفك الارتباط مع باريس

بات واضحًا أن الجزائر تتحرّك بخطى مدروسة نحو تقليص ارتباطها السياسي والاقتصادي بفرنسا، التي باتت تُنظر إليها في الجزائر الرسمية كطرف يُعرقل، لا كشريك يُسهّل. وهذا التحول يندرج ضمن ما يُعرف في الأدبيات الجيوسياسية بـ”الانفصال المتدرّج”، حيث يُعاد توزيع العلاقات الخارجية نحو قوى أكثر احترامًا للخصوصية السيادية.

في هذا الإطار، تراهن الجزائر على ما يمكن تسميته بـ”الكتلة الساخطة داخل أوروبا”، والتي تشمل دولًا مثل إيطاليا، المجر، وحتى إسبانيا، التي تشعر هي الأخرى بنوع من التهميش ضمن المنظومة الأوروبية التقليدية.

نحو دور إنساني – أخلاقي في السياسة الدولية

زيارة الرئيس الجزائري إلى إيطاليا والفاتيكان ليست حدثًا عابرًا، بل تشكل حلقة في مسار إعادة تشكيل دبلوماسية الجزائر بما يتناسب مع التحولات الجيوسياسية العالمية. من بوابة الطاقة والتكنولوجيا، ومن منبر الفاتيكان الأخلاقي، تحاول الجزائر ترسيخ موقعها كدولة تحترم القيم الإنسانية وتدافع عن الشعوب المستضعفة، وفي الوقت نفسه تسعى لتحقيق مصالحها الاستراتيجية خارج الحسابات التقليدية للنفوذ الفرنسي.

إنها سياسة خارجية جديدة، هجينة، تدمج بين القوة الناعمة والبراغماتية الاقتصادية، وتستثمر في اللحظة الدولية لتوسيع هوامش المناورة الجزائرية على المسرح العالمي.

زر الذهاب إلى الأعلى