دور البحث العلمي والابتكار في التنمية الاقتصادية
لم يعد البحث العلمي والابتكار ترفًا أكاديميًا أو نشاطًا نخبويًا محصورًا داخل أسوار الجامعات، بل أصبح اليوم العمود الفقري لأي مشروع تنموي حقيقي في عالم تحكمه المنافسة واقتصاد المعرفة. كما لم تعد الثروة تُقاس بحجم الموارد الطبيعية فقط، وإنما بقدرة الدول على إنتاج الأفكار الجديدة، وتحويلها إلى حلول عملية وقيمة اقتصادية مضافة.
ومن هذا المنطلق، أضحى الاستثمار في البحث العلمي والابتكار خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه لتحقيق النمو المستدام وضمان موقع متقدم في الخريطة الاقتصادية العالمية.
بقلم: الأستاذ كريبع خذير *
الخيار الاستراتيجي – البحث العلمي والابتكار قاطرة التنمية
يشكل التحول نحو اقتصاد المعرفة أحد أبرز رهانات التنمية الحديثة، حيث تبرز الجامعة من الجيل الثالث كفاعل محوري، لا يقتصر دورها على التعليم والتدريس، بل تتحول إلى مركز ثقل اقتصادي يمد الدولة بالحلول العلمية والخدمات الابتكارية، ويساهم في إنجاز المشاريع الكبرى.
ويمثل البحث العلمي المحرك الأساسي للاقتصاد الوطني، لاسيما في المجالات الاستراتيجية كـالذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، ومكافحة الجرائم الإلكترونية، وتطوير التقنيات الرقمية والمالية. كما يُعد دعم المؤسسات الناشئة (Startups) ركيزة أساسية للانتقال من “جامعة الشهادات” إلى “جامعة البحث العلمي”، القادرة على خلق الثروة واستحداث مناصب شغل نوعية.
وفي هذا السياق، يبرز تثمين الكفاءات الوطنية كأداة فعالة للحد من هجرة الأدمغة، عبر خلق بيئة محفزة تربط الباحث بالصناعة، وتوفر حاضنات أعمال، بما يجعل الاستثمار في العقل البشري داخل الوطن أكثر جدوى وأثرًا.
الآليات التنظيمية والتمويلية
لا يمكن للبحث العلمي أن يؤدي دوره التنموي دون منظومة تنظيمية وتمويلية فعالة. ويقتضي ذلك إنشاء إطار تنظيمي موحد، مثل مجلس أعلى للبحث العلمي، يتولى رسم الاستراتيجيات الوطنية وضمان تكامل البحوث ومنع تكرارها.
كما يستوجب الأمر اعتماد التمويل القائم على الأداء، عبر تحويل الدعم المالي الثابت إلى منح تنافسية تُمنح بناءً على تحقيق أهداف ومخرجات واضحة، مع ربط التمويل بعدد براءات الاختراع القابلة للتسويق التجاري.
وتبقى الرقابة والشفافية عنصرين حاسمين، من خلال اعتماد أنظمة رقمية لتتبع مسار التمويل وتقييم المشاريع البحثية، تحت إشراف لجان تحكيم مستقلة ذات بعد دولي. إضافة إلى ذلك، يُعد تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص ضرورة ملحة، عبر تحفيزه على تمويل البحث العلمي مقابل تسهيلات جبائية مشجعة.
التحديات والحلول العملية
يواجه البحث العلمي عدة تحديات، أبرزها محدودية الميزانية، حيث تهدف الاستراتيجية الوطنية إلى بلوغ تخصيص 1% من الناتج المحلي الخام للبحث العلمي، في حين يصل المعدل في الدول المتقدمة إلى نحو 3%.
كما يبرز تحدي نقص البيانات والإحصائيات الدقيقة، الضرورية لبناء قرارات استثمارية سليمة. ويضاف إلى ذلك إشكال تحويل نتائج البحوث من مجرد أوراق علمية حبيسة الأدراج إلى منتجات اقتصادية ملموسة.
ومن الحلول العملية المطروحة، تشجيع الانفتاح الدولي للمخابر والباحثين، والانخراط في فرق بحث مشتركة مع الجامعات العالمية، إلى جانب إصلاح البيروقراطية ومنح المخابر مرونة أكبر في تسيير ميزانياتها، بما يحد من العراقيل الإدارية التي تعيق الابتكار.

قرارات الإصلاح – القرار 1275 نموذجًا
يمثل القرار 1275 خطوة إصلاحية نوعية، من خلال إقرار شهادة – مؤسسة ناشئة، التي تسمح للطالب بتحويل مشروع تخرجه إلى مؤسسة ناشئة أو براءة اختراع. ويعكس هذا التوجه قناعة راسخة بأن الابتكار لم يعد خيارًا، بل ضرورة حتمية لتحقيق النمو المتسارع في ظل العولمة.
كما يندرج ضمن هذا المسار دعم ريادة الأعمال الجامعية، عبر إنشاء فروع إنتاجية (Spin-offs) داخل الجامعات، ومنصات تكنولوجية متطورة تضع الإمكانيات التقنية تحت تصرف الباحثين والشركات الناشئة.
ويستوجب ذلك تفعيل الإصلاح التشريعي الذي يسمح للباحث بتأسيس مؤسسته الخاصة، وتسهيل إجراءات تسجيل براءات الاختراع، مع تحفيز المؤسسات الاقتصادية، العمومية والخاصة، على إنشاء مخابر بحث وتطوير داخلها، بما يخلق جسرًا دائمًا بين الجامعة والمحيط الاقتصادي. ولا يقل عن ذلك أهمية الرقمنة، التي تساهم في تبسيط المسار الإداري وتقليص البيروقراطية.
دور الإعلام في ترقية البحث العلمي والابتكار للتنمية الاقتصادية
يُعد الإعلام شريكًا استراتيجيًا في منظومة البحث والابتكار، إذ يشكل حلقة وصل بين العلم والمجتمع والاقتصاد. ويساهم في بناء ثقافة علمية مجتمعية، عبر نشر المعرفة وتبسيطها، والتوعية بأهمية البحث العلمي كاستثمار اقتصادي استراتيجي.
كما يلعب الإعلام دورًا محوريًا في تعزيز الربط بين الباحثين والقطاع الصناعي، وتسويق الفرص الاستثمارية في مجال البحث والتطوير، وإبراز قصص النجاح والعوائد الاقتصادية للابتكارات. إضافة إلى ذلك، يضطلع بدور رقابي من خلال متابعة السياسات الوطنية، والدعوة إلى تحسينها بالاستفادة من التجارب الدولية.
يواجه البحث العلمي عدة تحديات، أبرزها محدودية الميزانية، حيث تهدف الاستراتيجية الوطنية إلى بلوغ تخصيص 1% من الناتج المحلي الخام للبحث العلمي، في حين يصل المعدل في الدول المتقدمة إلى نحو 3%.
غير أن الإعلام العلمي يواجه تحديات، أبرزها نقص الإعلاميين المتخصصين، وصعوبة الموازنة بين التبسيط والدقة العلمية، ومحدودية المساحات المخصصة لهذا النوع من المحتوى. وهو ما يستدعي جملة من التوصيات، في مقدمتها تدريب إعلاميين متخصصين، وبناء شراكات بين المؤسسات الإعلامية والبحثية، وتوسيع المنصات الإعلامية الموجهة للعلوم والابتكار.
إن الاستثمار في البحث العلمي والابتكار يمثل الركيزة الأساسية لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وتنافسية في عصر المعرفة. غير أن هذا الاستثمار لا يمكن أن يحقق أقصى عوائده دون إعلام فاعل، يتولى ترسيخ الثقافة العلمية، وبناء الجسور بين البحث والمجتمع، وتسليط الضوء على النجاحات. فبإنتاج المعرفة عبر البحث العلمي، وتثمينها ونشرها من خلال الإعلام، ثم نقلها تكنولوجيًا وتطبيقها في السوق والصناعة، تتحول الأفكار إلى ثروة حقيقية، قادرة على دعم الاقتصاد الوطني وصناعة المستقبل.
- نائب رئيس الاتحاد الوطني لحماية المستهلكين
- خبير في الاستهلاك
- رئيس مصلحة التدريس بجامعة بسكرة سابقًا




