حرب بلا أفق: مؤشرات فشل استراتيجية دونالد ترامب في مواجهة إيران وسيناريوهات الخروج من المأزق

تشهد الساحة الدولية منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى حالة من التوتر غير المسبوق، وسط تصاعد العمليات العسكرية وتزايد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى حرب استنزاف طويلة. وفي خضم هذا التصعيد، بدأت العديد من التحليلات السياسية والإعلامية الغربية تشير إلى مؤشرات واضحة على تعثر الاستراتيجية التي يقودها الرئيس الأمريكي Donald Trump، ما يطرح تساؤلات جدية حول مآلات الحرب وإمكانية خروج واشنطن من هذا المأزق المعقد.
بقلم/نسيمة شرلاح
مؤشرات تعثر الاستراتيجية الأمريكية
رغم الخطاب المتفائل الذي يروج له البيت الأبيض بشأن “تدمير القدرات العسكرية الإيرانية”، إلا أن الوقائع الميدانية والسياسية تعكس صورة أكثر تعقيداً. فالهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي أطلقتها إيران باتجاه إسرائيل وعدد من المواقع الإقليمية أظهرت أن طهران لا تزال تمتلك أدوات الردع والقدرة على الاستمرار في المواجهة.
كما أن التقديرات الأمنية داخل إسرائيل نفسها تشير إلى مخاوف متزايدة من الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة. فقد أقر مسؤولون عسكريون خلال مؤتمرات صحفية بأن الوضع “لا يسير كما ينبغي”، في ظل استمرار التهديدات الصاروخية وتكرار مشاهد صفارات الإنذار والنزول إلى الملاجئ. ويزداد القلق مع اتساع رقعة التوتر على الجبهة اللبنانية، ما يهدد بفتح جبهة إضافية مع حزب الله.
هذه التطورات تعني أن الرهان الأمريكي على حسم سريع للصراع لم يتحقق، وأن الحرب أخذت منحى أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً في دوائر صنع القرار في واشنطن.
الحرب الاقتصادية: سلاح يرتد على واشنطن
من أبرز المؤشرات التي قد تقود إلى هزيمة سياسية للرئيس الأمريكي التداعيات الاقتصادية للحرب. فبحسب تحليلات نشرتها صحيفة The Guardian، فإن الحرب على إيران قد تتحول إلى عبء ثقيل على الاقتصاد الأمريكي، حتى وإن لم تتكبد واشنطن خسائر عسكرية مباشرة.
إغلاق مضيق هرم الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية أدى إلى اضطرابات حادة في الأسواق العالمية للطاقة، بينما انعكس ذلك على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة. وقد تجاوز سعر البنزين مستويات قياسية مقارنة بفترة ما قبل الحرب، ما يهدد بزيادة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
ورغم أن الولايات المتحدة عززت إنتاجها المحلي من الطاقة خلال السنوات الأخيرة، فإن أسعار النفط تبقى مرتبطة بالسوق العالمية، ما يجعل الاقتصاد الأمريكي غير محصن بالكامل من تداعيات الأزمات الجيوسياسية.
الرأي العام الأمريكي: عامل الحسم
على الصعيد الداخلي، يواجه الرئيس الأمريكي تحدياً متزايداً يتمثل في تراجع التأييد الشعبي للحرب. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الرأي العام في الولايات المتحدة لعب دوراً حاسماً في إنهاء حروب طويلة مثل حرب الفيتنام.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الحرب ضد إيران لم تحظ منذ البداية بإجماع سياسي أو شعبي، وهو أمر غير مألوف في بلد اعتاد تعبئة الرأي العام عبر خطاب “الأمن القومي”. ومع ارتفاع أسعار الوقود وتزايد المخاوف من حرب طويلة، قد تتحول المعارضة الداخلية إلى عامل ضغط حاسم على الإدارة الأمريكية.
مأزق إعلان النصر
يبدو أن الرئيس الأمريكي يسعى إلى إعلان “نصر سياسي” سريع في الحرب، إلا أن هذا الهدف يواجه معضلة أساسية: تعريف النصر نفسه. فحتى لو تمكنت الولايات المتحدة من إلحاق أضرار بالبنية العسكرية الإيرانية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق أهداف استراتيجية طويلة المدى.
بل إن بعض التحليلات الغربية حذرت من أن الضربات العسكرية قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، عبر تعزيز نفوذ التيار المتشدد داخل إيران وتقوية دور الحرس الثوري الإسلامي، ما يجعل البلاد أكثر تشدداً في سياساتها الإقليمية.
سيناريوهات الخروج من الحرب
في ظل هذه التعقيدات، تبرز عدة سيناريوهات محتملة للخروج من الأزمة:
1. تسوية دبلوماسية غير معلنة
قد تلجأ واشنطن وطهران إلى وساطات دولية تقود إلى اتفاق غير مباشر يتيح لكل طرف الادعاء بتحقيق مكاسب سياسية، مع وقف تدريجي للتصعيد العسكري.
2. حرب استنزاف طويلة
إذا فشلت المساعي الدبلوماسية، فقد تستمر المواجهة في شكل ضربات محدودة ومتقطعة، ما يؤدي إلى استنزاف اقتصادي وأمني لجميع الأطراف، خاصة في منطقة الخليج.
3. تصعيد إقليمي واسع
وهو السيناريو الأكثر خطورة، حيث قد تتوسع المواجهة لتشمل جبهات إضافية مثل لبنان أو البحر الأحمر، ما يهدد أمن الطاقة العالمي ويزيد احتمالات تدخل قوى دولية أخرى.
خاتمة
تكشف التطورات الحالية أن الحرب على إيران لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى اختبار معقد للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وبين الضغوط الاقتصادية، وتراجع التأييد الشعبي، وتعثر الحسم العسكري، تتزايد المؤشرات على أن إدارة ترامب تواجه مأزقاً سياسياً واستراتيجياً قد يصعب الخروج منه دون تنازلات.
وفي عالم تتداخل فيه السياسة بالطاقة والاقتصاد، قد لا تكون الهزيمة في ساحات القتال وحدها، بل في قدرة الحرب على استنزاف القوة الأمريكية نفسها، وتحويل مغامرة عسكرية إلى عبء سياسي ثقيل على صانع القرار في واشنطن.

زر الذهاب إلى الأعلى