نحو نموذج صناعي حديث في الجزائر: مناطق صناعية “مفتاح في اليد” لتسريع الاستثمار والإنتاج”

في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها الجزائر، يبرز توجه جديد نحو اعتماد نماذج مبتكرة في تهيئة المناطق الصناعية، تقوم على مبدأ “المناطق الصناعية مفتاح في اليد”، حيث يتم تجهيزها بهياكل جاهزة (هنغارات ومصانع) مهيأة للاستغلال الفوري، بما يسمح للمستثمرين بالتركيز مباشرة على تركيب المعدات وخطوط الإنتاج والانطلاق في النشاط دون إضاعة الوقت في الإجراءات الإنشائية المعقدة. هذا الطرح، الذي ظل لسنوات محل نقاش في الأوساط الاقتصادية والإعلامية، عاد إلى الواجهة بقوة بعد أن لقي قبولًا رسميًا من طرف المدير العام للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، عمر ركاش، الذي أكد أهمية هذا النموذج في دفع عجلة الاستثمار المنتج وتقليص آجال تجسيد المشاريع.
ويُعد الخبير والمستشار الدولي في الاستثمار الصناعي، محمد سعيود، من أبرز الداعمين لهذا التوجه، حيث دأب على طرح هذه الفكرة منذ أكثر من ثماني سنوات عبر مختلف القنوات التلفزيونية والصحف الوطنية، معتبرًا أن توفير بنية تحتية صناعية جاهزة يمثل أحد أهم مفاتيح جذب المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.
وفي هذا السياق، يواصل محمد سعيود نشاطه الدولي، حيث يتواجد حاليًا في ألمانيا رفقة مستثمرين جزائريين، للمشاركة في فعاليات معرض WIRE & TUBE Düsseldorf بمدينة Düsseldorf، أحد أبرز المعارض العالمية المتخصصة في صناعات الأسلاك والأنابيب. وتهدف هذه الزيارة إلى اقتناء خطوط إنتاج حديثة لتجسيد مشروعين صناعيين في الجزائر، الأول يتعلق بإنتاج قطع فولاذية وأنابيب موجهة لصناعة المركبات، والثاني يخص تصنيع الكوابل الكهربائية الخاصة بالسيارات ومختلف أنواع المركبات.
رهانات اقتصادية واستراتيجية
يمثل اعتماد نموذج “المناطق الصناعية الجاهزة” نقلة نوعية في بيئة الأعمال، حيث يساهم في:
تقليص الآجال الزمنية لإطلاق المشاريع الصناعية،
تخفيض التكاليف المرتبطة بالبناء والتهيئة،
تعزيز جاذبية الجزائر كوجهة استثمارية،
دعم نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي.
كما ينسجم هذا التوجه مع مساعي الدولة لتنويع الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على المحروقات، من خلال تشجيع الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة العالية.
بين الفكرة والتجسيد
ورغم أهمية هذا النموذج، يبقى التحدي الأكبر في ضمان تنفيذه وفق معايير دولية، سواء من حيث جودة البنى التحتية أو توفير الخدمات اللوجستية والرقمية المصاحبة، مثل الربط الطاقوي، وشبكات النقل، والرقمنة الإدارية.
ويرى خبراء أن نجاح هذه المبادرة يتطلب تنسيقًا محكمًا بين مختلف الفاعلين، من هيئات حكومية ومؤسسات تمويل ومستثمرين، إضافة إلى الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال.
وتجدر الإشارة، أن تبني الجزائر لنموذج المناطق الصناعية “مفتاح في اليد” يمثل خطوة استراتيجية نحو بناء اقتصاد منتج وتنافسي، ويعكس إرادة حقيقية في إزالة العراقيل أمام المستثمرين. وبين المبادرات الميدانية التي يقودها خبراء مثل محمد سعيود، والانفتاح المؤسساتي الذي تبديه الجهات الرسمية، تبدو الآفاق واعدة لإطلاق جيل جديد من المشاريع الصناعية القادرة على إحداث نقلة نوعية في الاقتصاد الوطني. نسيمة شرلاح
