منصة “أضاحي 2026” في الجزائر… رقمنة لتنظيم السوق أم إشكال في تحديد المستفيد؟
مع اقتراب عيد الأضحى لسنة 2026، أطلقت السلطات الجزائرية، ممثلة في وزارة الفلاحة والتنمية الريفية، منصة رقمية وطنية تحت اسم “أضاحي”، تهدف إلى تنظيم عملية بيع الأضاحي، خاصة المستوردة، في خطوة تعكس توجهاً واضحاً نحو الرقمنة ومحاربة الفوضى التي طبعت السوق في السنوات الماضية.
لكن، رغم الترحيب الواسع بهذه المبادرة، يطرح المواطنون تساؤلات جوهرية، أبرزها: هل هذه الأضاحي موجهة للأفراد أم للعائلات؟ وهو سؤال يكشف عن أبعاد اجتماعية واقتصادية تتجاوز مجرد عملية شراء.
بقلم/نسيمة شرلاح.

أولاً: المنصة الرقمية… تنظيم جديد لسوق تقليدي
تعتمد المنصة على نظام تسجيل إلكتروني دقيق، حيث يقوم المواطن بإدخال بياناته الشخصية (رقم التعريف، الهاتف، الولاية…) ثم تأكيد الطلب عبر رسالة نصية، مع إمكانية متابعة ملفه واختيار نقطة الاستلام والدفع الإلكتروني.
وتهدف هذه الآلية إلى:
القضاء على المضاربة والسماسرة،
ضمان شفافية التوزيع،
ربط المربين مباشرة بالمستهلك،
تسهيل اقتناء الأضاحي دون طوابير.
كما توفر المنصة إمكانية غلق التسجيل تلقائياً عند نفاد الكمية، ما يعكس اعتمادها على نظام رقمي مرتبط بالمخزون الحقيقي.

ثانياً: نقطة الجدل… الأضحية للفرد أم للأسرة؟
رغم وضوح الإجراءات التقنية، إلا أن الإشكال الحقيقي يكمن في طبيعة المستفيد:
1. من الناحية العملية (تقنياً):
المنصة تُسجل شخصاً واحداً ببيانات فردية (رقم تعريف وطني واحد)، ما يعني أن العملية موجهة للفرد كمسجل رسمي.
2. من الناحية الاجتماعية:
في الثقافة الجزائرية، الأضحية عادةً موجهة للأسرة وليس للفرد، حيث:
تُشترى باسم رب الأسرة
تُستهلك جماعياً داخل العائلة
3. الإشكال المطروح:
هل يُسمح للفرد بحجز أكثر من أضحية لعائلة كبيرة؟
هل يتم تحديد عدد الأضاحي لكل أسرة أم لكل شخص؟
كيف سيتم التعامل مع العائلات الممتدة؟
غياب توضيحات دقيقة حول هذه النقطة قد يفتح الباب أمام:
احتكار بعض الأفراد لعدة حصص،
حرمان عائلات من الاستفادة،
إعادة ظهور السوق الموازية بشكل غير مباشر.
ثالثاً: رؤية الوزارة… ضمان العدالة والتنظيم
من جانبها، تؤكد وزارة الفلاحة أن إطلاق المنصة يأتي في إطار:
تنظيم السوق وضمان وفرة الأضاحي،
تحقيق الشفافية في التوزيع،
توجيه الأضاحي مباشرة للمواطن دون وسطاء.
كما تم ربط العملية بآليات تحقق من الهوية لتفادي التسجيلات الوهمية أو المضاعفة، ما يعزز فرضية أن التوجه الرسمي هو:
أضحية واحدة لكل حساب (أي لكل فرد مسجل)
لكن يبقى التحدي في ترجمة هذا التوجه إلى عدالة اجتماعية فعلية.
رابعاً: صوت المواطن… ترحيب مشروط
أبدى المواطنون استحساناً لفكرة الرقمنة، خاصة لما توفره من:
سهولة التسجيل،
تقليل الازدحام،
إمكانية الدفع الإلكتروني بأسعار مخفضة،
غير أن التخوفات تتركز حول:
الضغط التقني وتعطل المنصة،
نفاد الكميات بسرعة،
غموض شروط الاستفادة (فرد أم عائلة).
وهو ما يجعل التجربة، في نظر الكثيرين، رهينة التطبيق الميداني أكثر من الفكرة في حد ذاتها.
خامساً: موقف منظمات حماية المستهلك
ترى جمعيات حماية المستهلك أن نجاح هذه المبادرة مرهون بـ:
تحديد واضح للمستفيد (أسرة/فرد)،
وضع سقف عادل للاقتناء،
ضمان وصول الأضاحي للفئات ذات الدخل المحدود،
مراقبة سلسلة التوزيع لتفادي أي تلاعب،
كما تشدد على أن الرقمنة وحدها لا تكفي، بل يجب أن تُرفق بـآليات رقابية صارمة لضمان تكافؤ الفرص.
يجدر التذكير في الأخير أن منصة “أضاحي 2026” مثل خطوة مهمة نحو عصرنة القطاع الفلاحي وتنظيم سوق الأضاحي في الجزائر، غير أن نجاحها الحقيقي يتوقف على الإجابة الواضحة عن السؤال المحوري:
هل الأضحية حق فردي رقمي… أم حق عائلي اجتماعي؟
بين منطق النظام الرقمي الذي يتعامل مع “الفرد”، ومنطق المجتمع الذي يقوم على “الأسرة”، تبرز الحاجة إلى صيغة توازن بين الكفاءة التقنية والعدالة الاجتماعية.




