تحلية مياه البحر في الجزائر: رهان استراتيجي لمواجهة شح المياه وتأمين المستقبل

تواجه الجزائر في السنوات الأخيرة تحديًا مائيًا متفاقمًا نتيجة التغيرات المناخية، والنمو السكاني، وتراجع منسوب المياه الجوفية والسطحية، مما دفع السلطات إلى تعزيز استراتيجية تحلية مياه البحر كخيار استراتيجي لتأمين احتياجات السكان من المياه العذبة.
ويأتي هذا التوجه في وقت أصبحت فيه البلاد تصنف ضمن الدول التي تعاني من فقر مائي حاد، حيث لا يتجاوز نصيب الفرد من المياه 500 متر مكعب سنويًا، وهو أقل بكثير من عتبة الندرة المائية المعتمدة عالميًا.
منذ بداية الألفية الجديدة، بدأت الجزائر تنفيذ برنامج طموح لإنشاء محطات لتحلية مياه البحر على طول الشريط الساحلي الممتد من الغرب إلى الشرق. ومع تفاقم أزمة الجفاف في السنوات الأخيرة، تسارعت وتيرة هذا البرنامج بشكل غير مسبوق، خاصة بعد الجفاف التاريخي الذي عرفته البلاد خلال صيف 2021، والذي كشف هشاشة البنية التحتية المائية التقليدية، وعدم قدرتها على تلبية الطلب المتزايد في المدن الكبرى والولايات الساحلية.
بحلول عام 2025، باتت الجزائر تمتلك أكثر من 15 محطة تحلية موزعة في ولايات مثل الجزائر العاصمة، وهران، مستغانم، بجاية، سكيكدة، وتيزي وزو. وتُعد محطة فوكة بولاية تيبازة، من أكبر محطات التحلية في البلاد، بطاقة إنتاج تصل إلى 300 ألف متر مكعب يوميًا. كما تم في السنوات الأخيرة الشروع في إنجاز خمس محطات جديدة بطاقة إجمالية تفوق مليون متر مكعب يوميًا، في إطار مخطط استعجالي أطلقته الحكومة بهدف بلوغ الاكتفاء المائي في المناطق الساحلية قبل نهاية عام 2024.
تعتمد الجزائر بشكل أساسي على تقنية التناضح العكسي (Reverse Osmosis) في محطات التحلية، وهي تقنية أكثر كفاءة وأقل تكلفة من الطرق الحرارية التقليدية. وترافق هذا الاستثمار التقني مع انخراط الشركات الوطنية مثل “الجزائرية للمياه” والمؤسسة الوطنية للهندسة المدنية والبناء في عمليات الإنشاء والتشغيل، مع الاستفادة من شراكات أجنبية تقنية وتمويلية لتسريع الإنجاز وضمان الجودة.
ورغم النجاحات المسجلة، تواجه الجزائر عدة تحديات في مسار تطوير صناعة تحلية المياه، من بينها الكلفة المالية العالية، سواء في مرحلة الإنشاء أو التشغيل، إذ أن تحلية المتر المكعب الواحد من مياه البحر تتطلب طاقة كبيرة، وهو ما يمثل عبئًا إضافيًا على شبكة الكهرباء، خاصة في ظل دعم أسعار الطاقة والمياه. كما تطرح مسألة معالجة الرجيع الملحي الناتج عن عمليات التحلية إشكالات بيئية حقيقية، بالنظر إلى تأثيره على التوازن البيئي البحري، ما يتطلب تطوير حلول صديقة للبيئة.
في المقابل، يمثل الاستثمار في تحلية مياه البحر فرصة حقيقية لتعزيز الأمن المائي الوطني، خاصة في ظل التغير المناخي الذي يؤثر سلبًا على معدلات التساقط السنوي، وانخفاض مخزون السدود التي لم تعد تتجاوز نسبة امتلائها في بعض المناطق 30%. وتعمل السلطات على ربط محطات التحلية بشبكات توزيع المياه الحضرية بشكل مباشر، مما قلل بشكل ملموس من ظاهرة الانقطاعات الطويلة التي كانت تعاني منها أحياء العاصمة ومدن الساحل سابقًا.
تتجه الجزائر اليوم نحو تعزيز هذا الخيار الاستراتيجي من خلال إشراك القطاع الخاص المحلي والأجنبي في مشاريع التحلية، مع تشجيع الابتكار في مجالات الطاقات المتجددة لتقليل فاتورة الطاقة المرتبطة بعملية التحلية. كما تسعى الحكومة إلى توسيع الاعتماد على المياه المحلاة في القطاعين الصناعي والزراعي، لتخفيف الضغط على الموارد التقليدية وتوجيهها نحو الاستهلاك البشري.
في النهاية، تبدو تحلية مياه البحر في الجزائر أكثر من مجرد حل تقني، بل هي رؤية مستقبلية شاملة لمواجهة أزمة المياه وتأمين الموارد للأجيال القادمة. وإذا استمرت الدولة في الاستثمار الذكي والمستدام في هذا المجال، فإنها ستتمكن من تجاوز العقبات الراهنة، وتحقيق توازن مائي طالما كان بعيد المنال.




