رئيس الجمهورية يوجه رسالة بمناسبة ذكرى مظاهرات 11 ديسمبر 1960

وجّه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون رسالة إلى الشعب الجزائري بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لمظاهرات 11 ديسمبر 1960، استحضر فيها المعاني الوطنية والدلالات التاريخية لهذه المحطة المفصلية في مسار الثورة التحريرية.

وقد تضمّنت الرسالة تأكيدًا على التلاحم الشعبي مع جيش التحرير الوطني، وإحياءً لبطولات الشهداء والمجاهدين، إضافة إلى دعوة للتأمل في دروس بناء الدولة الوطنية وتعزيز ما تحقق من مكتسبات، مع التشديد على دور الشباب في مواصلة مسيرة التنمية.

وفيما يلي النص الكامل للرسالة 

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيم وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى أَشْرَفِ المُرْسَلِينَ،
أيَّتُها المُوَاطِنَاتُ .. أيُّها المُواطِنُون،
في هَذَا اليَوْم مِنَ الأيَّام البَارِزَة في مَسِيرَة النِّضَال الوَطَني وَالكِفَاح المُسَلَّح .. نُحْيِي – بِاعْتِزَاز – الذِّكْرَى الخَامِسَةَ وَالسِّتِّين (65) المُخَلِّدَةَ لِمُظاهرات 11 ديسمبر 1960، المَحَطَّة الّتي جَسَّدَت في الشَّوَارِع وَالسَّاحَات اعْتِنَاقَ الشَّعْب بِرُمَّتِه لِنِدَاء بَيَان أوَّل نُوفمبر 1954 .. وَإيمَانَه بِتَحْقِيق أهْدَاف الثَّوْرَة كَامِلَة غَيْرَ مَنْقُوصَة.
إنَّ الجَماهِير العَارِمَة .. وَالحَنَاجِر الهَاتِفَة .. وَالرَّايَات العَالِيَة وَالزَّغارِيد المُعَبِّرَة خِلال تِلْك المُظاهرَات – كَانَت في تِلْك اللَّحَظات التَّارِيخِيَّة – احْتِفَاءً مُعَبِّرًا عَنْ الرِّبَاط الوَثِيق بِرِجَال وَنِسَاء تَسَابَقُوا منذُ فجرِ الفَاتِح مِن نوفمبر إلى أهْوَال حَرْب التَّحْرِير مُتَدَافِعِين إلى التَّضْحِيَة بِأرْوَاحِهِم، في المُدُن وَالقُرَى وَالمَدَاشِر مِنْ أجْل أنْ تَحْيَا الجَزائر.
وَلَقَد كَانَت تِلْك اللَّحَظَات مِنْ مَسِيرَة الثَّوْرَة مِصْدَاقًا لِمَأْثُورَة الشَّهيد الرَّمْز العربي بن مهيدي ” اُلقُوا بِالثَّوْرَة إلى الشَّارِع يَحْتَضِنْهَا الشَّعْب “، وَمُنْعَرَجًا فَاصِلًا مُؤَثّرًا في الصَّدَى الخَارجي لِثَوْرَة أوْقَفَت الزَّمَن شَاهِدًا على تِلْك الهَبَّة الثَّائِرَة بِمَا تَحْمِل مِنْ مَبَادِئَ سَامِيَةٍ وَأَهْدَافٍ نَبِيلَة.
وَإنَّنَا، وَنَحْن نُحِيط تِلْكَ المَبَادِئ وَالأهْدَاف بِمَا يَلِيق بِجَلالِهَا، التِزَامًا بِالرِّسَالَة الخَالِدَة وَتَكْرِيمًا لِوَدِيعَة الشَّهِيد الرَّمْزِ ديدوش مراد ” إذَا مَا اسْتشْهَدْنَا، فَحَافِظُوا عَلى ذَاكِرَتِنَا ” . نَعْتَزُّ بِأصَالَة إرْثِنَا الثَوْرِي المَجِيد في وِجْدَان كُلّ جزائريَّةٍ وَجزائريٍّ، مَصْدَر وِحْدَة وَقُوَّة الشَّعْب وَمَرْجَعِيَّتِه الجَامِعَة .. إنَّهُ إرْثٌ يَسْتَمِدُّ مِنْهُ الشّعب الجَزَائِري الأبي – في الظُّرُوف الإقلِيمِيَّة وَالدَّولِيَّة الرَّاهِنَة – قُدْرَتَه عَلَى تَبَيُّنِ خُيُوط حُرُوب المَصالِح الذَّكِيَّة المُوَجَّهَة، وَإرْث يَنْبَثِقُ مِنْهُ وَعْيٌّ وَطَنِيٌّ يُدْرِك خَفَايَا الدِّعَايَة المَأْجُورَة بِكُلِّ أصْنَافِهَا وَنَوَايَا المُنْسَاقِين إِلَيهَا مِنَ السَّاعِين لِلْمَسَاس بِالدَّوْلَة وَالإضْرَار بِمَصَالِحِهَا.
إنَّ شَعبًا وُلِدَ مِنْ رَحِم التَّاريخ العَرِيق مُوَحَّدًا .. وَانْصَهَر – على الدَّوَام – في هوِيَّة جَزَائِريَّة، مُتَجَذِّرَة في الأرضِ، حَاضِنَة لِلتَّنَوُّع .. مُوَحَّدَة العَقِيدَة، وَشَعبا تَلاحَم في جَبْهَة وَطَنِيَّة سَنَوَات المَأْسَاة الدَّامِيَة، وَفي كُلِّ المَرَاحِل الصَّعْبَة، أحْرَص مَا يَكُون – اليوم – عَلى قِيَادَة مَسِيرَة الحَاضِرِ يَقِظًا تُجَاه مُحَاوَلات إِرْبَاك مَشْرُوعِه الوَطَني، مُوَجِّهًا البُوصَلَة إلى مُسْتَقْبَل الأجْيَال الَّتي تَرْنُو إلَى العَيْش في بَلَدٍ مصغٕ لآمَال الشَّبَاب .. وَفي جزائر رَاعِيَة لِطُمُوحَاتِه .. وَفي مُجْتَمَع يَحْتَفِي بِمَوَاهِب وَكَفَاَءات بَنَاتِنَا وَأبْنَائِنَا، وَيَسْتَثْمِر قُدُرَاتِهِم في دِينَامِيكِيَّة التَّحَوُّل الحَقِيقِي نَحْوَ تَكْرِيسِ شَوَاهِد وَمَعَالِم التَّنْمِيَة المُسْتَدَامَة في دَاخِل البِلاد، وَتَأكِيد الدَّوْر الفَاعِل وَالمَكانَة المَحْفُوظَة في الخَارِج ..
وَفي الأخِيرِ .. فَإنَّنِي إذْ أقِف مَعَكُم عِنْدَ هَذِه الذِّكْرَى الخَامِسَة وَالسِّتِين لِمُظاهرَات 11 ديسمبر إجْلَالًا لِتَضْحِيَات الشَّعْبِ الجزائري الأبِيِّ، فَإنَّنِي أعْتَبِرُ أنَّ هَذِه الذِّكْرَى وَغَيْرَهَا مِنَ المَحَطَّات التَّاريخِيَّة المَجِيدَة مَدْعَاةٌ للتَّأمُّل في الدُّرُوسِ وَالعِبَرِ المُسْتَخْلَصَة مِنْ مَرَاحِل بِنَاء الدَّوْلَة الوَطنِيَّة المُسْتَقِلَّة بِانْتِصَارَاتِها وَبِمَا اِعْتَرَاهَا مِنَ الصُّعُوبَات في ظُرُوف وَفَتَرَات خَاصَّة، لِتَكُون مُنْطَلَقًا وَمُحَفِّزًا على التَّقْدِيرالسَّلِيم لِحَجْم الجُهُود المُنْتَظَرِ بَذْلُهَا مِنَ الجَمِيع في كُلّ المُسْتَوَيَات وَالمَوَاقِع لاسْتِكْمَال تَعْزِيز المُؤَشِّرَات الاقتِصَادِيَّة وَالاجتِمَاعِيَّة الَّتي حَقَّقَهَا الشَّعْب الجزائري مُنْذُ أنْ أوْلانَا ثِقَتَه، وَالتَّطَلُّع بِوَتِيرَة أسْرَع وَأدَاء أنْجَع للاندِمَاج في مَسَارَات الدُّوَل الطَّامِحَة المُسْتَحِقَّة لِلمَكَانَة الوَازِنَة …
وَإنَّنَا – لا مَحَالَة – سَنَصِل في مَوْعِدٍ قَرِيبٍ .. وَفَاءً لِرِسَالَة الشُّهَدَاء الَّذين نَتَرَحَّمُ على أرْوَاحِهِم الزَّكِيَّة .. وَنَتَوَجَّهُ إلَى رِفَاقِهِم مِنَ الأَخَوَات المُجَاهِدَات وَالإِخْوَة المُجَاهِدِين في هَذِه المُنَاسَبَة بِالتَّحِيَّة وَالتَّقْدِير.
” تَحيَا الجَزائِر “
المَجْد وَالخُلُودُ لِشُهَدَائِنَا الأبرَار
وَالسّلامُ عَلَيْكُم ورَحْمَةُ اللهِ تَعَالى وَبَرَكاتُه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى