حزية درياسة: حين يتحوّل اللون إلى ذاكرة.. والبحر إلى لغة للروح

لوحة "روح واحدة".. مهداة لروح والدي

في رواق باية بقصر الثقافة مفدي زكريا، لا يكتفي اللون بأن يكون عنصرًا بصريًا، بل يتحوّل إلى ذاكرة نابضة، وإلى لغة صامتة تحاور الروح قبل العين.

تحت رعاية وزارة الثقافة والفنون، تفتتح اليوم الخميس على الساعة الرابعة مساء الفنانة التشكيلية حزية درياسة معرضها الفني الموسوم بـ «البحر والطبيعة»، مقدّمة للجمهور 65 لوحة تتقاطع فيها الطبيعة بالإحساس، والبحر بالتأمل، واللون بالبوح الداخلي.

معرض يختزل مسارًا فنيًا ناضجًا، ويؤكّد أن اللوحة عند حزية درياسة ليست مجرد مساحة لونية، بل امتداد وجداني وقراءة فنية للطبيعة.


حاورَتها: نسيمة شرلاح


في هذا الحوار، تفتح الفنانة قلبها لحديثها عن تجربتها، رؤيتها، وإيمانها العميق بدور الفن.

بدايةً، نرحّب بكِ. كيف تصفين شعوركِ وأنتِ تحضرين لافتتاح معرضكِ الفني؟

أشعر بمزيج جميل من الفرح والامتنان والتأمل. كل معرض هو بمثابة ولادة جديدة، وكل لوحة تحمل جزءًا من روحي. هذا الموعد ليس مجرد حدث فني، بل لحظة إنسانية عميقة ألتقي فيها بالجمهور، وأقدّم له خلاصة سنوات من العمل، والتجريب، والصدق مع الذات.

يضمّ المعرض أعمالًا وُصفت بـ«الرائعة». ما الفكرة أو الخيط الناظم الذي يجمع هذه اللوحات؟

الخيط الناظم هو الإحساس. البحر والطبيعة ليسا موضوعين تشكيليين فقط، بل فضاءان للتأمل والذاكرة والانعتاق. يمكن اعتبار المعرض تجربة واحدة من حيث الروح، لكنه يتضمّن مسارات تعبيرية متعددة، لأن كل لوحة لها نبضها الخاص وحكايتها المختلفة.

لوحاتكِ تتّسم بقوة التعبير اللوني والرمزي. كيف تختارين مواضيعكِ؟

غالبًا ما أنطلق من إحساس لحظي، لكنه إحساس متراكم من الذاكرة والواقع. اللون عندي ليس زينة، بل لغة. أحيانًا تفرض الفكرة نفسها دون تخطيط، وأحيانًا أخرى أعود إلى الذاكرة، إلى البحر، إلى مشاهد عشتها أو تخيّلتها، ثم أترك للوحة حرية التشكل.

إلى أي مدرسة فنية تميلين أكثر؟

لا أحبّ التقيّد الصارم بالمدارس. أميل إلى التعبير الحر، مع تأثيرات انطباعية وتجريدية أحيانًا. التجريب جزء أساسي من مسيرتي، وأؤمن أن الفنان الحقيقي هو من يظلّ في حالة بحث دائم، دون أن يفقد بصمته الخاصة.

كونكِ ابنة الفنان الكبير الراحل رابح درياسة، كيف أثّر هذا الإرث في مسيرتكِ؟

هو إرث عظيم ومشرّف. والدي علّمني حبّ الفن والصدق معه. لم أشعر بثقل المقارنة بقدر ما شعرت بالمسؤولية. هو مصدر إلهام وقيمة، لكنني حرصت دائمًا على أن أبني مساري وهويتي الخاصة، احترامًا له أولًا، ولنَفَسي ثانيًا.

كيف بنيتِ هويتكِ الفنية الخاصة؟

بالعمل، بالصبر، وبالإنصات لصوتي الداخلي. لم أسعَ يومًا لتقليد أحد أو الانتماء القسري لتصنيف معيّن. ما يميّز لوحاتي هو العلاقة الحميمية مع اللون، والصدق في التعبير، وترك مساحة للمُشاهد ليقرأ العمل بطريقته.

“البحر رمز للحرية، للعمق، وللتغيّر الدائم. من خلاله أعبّر عن علاقتنا بالطبيعة، وعن حاجتنا للانسجام معها. الفن في نظري أداة وعي، ويمكنه أن يزرع الحس الجمالي والبيئي، ويدفع الإنسان للتأمل والتغيير”..

حضور الطبيعة، خاصة البحر، لافت في هذا المعرض. ما الرسالة التي تحملها هذه الأعمال؟

البحر رمز للحرية، للعمق، وللتغيّر الدائم. من خلاله أعبّر عن علاقتنا بالطبيعة، وعن حاجتنا للانسجام معها. الفن في نظري أداة وعي، ويمكنه أن يزرع الحس الجمالي والبيئي، ويدفع الإنسان للتأمل والتغيير.

كيف ترين واقع الفن التشكيلي في الجزائر اليوم؟

الفن التشكيلي في الجزائر غني بالمواهب، لكنه يحتاج إلى مزيد من الدعم، خاصة في مجالات الترويج، التكوين، وفتح الفضاءات. هناك مجهودات تُبذل، لكنها تحتاج إلى استمرارية وإلى إشراك أكبر للفنان في المشهد الثقافي.

ما أهمية المعارض الفنية في تقريب الفن من الجمهور؟

المعرض هو الجسر الحقيقي بين الفنان والجمهور، خاصة فئة الشباب التي تحتاج إلى الاحتكاك المباشر بالأعمال الفنية. تفاعل الجمهور مع لوحاتي في معرض مدريد كان صادقًا ومشجّعًا، وكل قراءة مختلفة للعمل تُغنيني كفنانة. أتمنى أن يلقى هذا المعرض نفس الإقبال والاهتمام.

حدّثينا عن تقنياتكِ في العمل

أشتغل غالبًا بالألوان الأكريليك، وأحيانًا الزيت. الزمن يختلف من لوحة لأخرى، لأن كل عمل يفرض إيقاعه. بعض اللوحات تُنجز بسرعة، وأخرى تحتاج إلى صبر وانتظار. في الغالب، اللوحة وليدة لحظة شعورية، لكن العقل يظل حاضرًا في التوازن والبناء.

بدو أن هذا المعرض يحمل تحية خاصة لروح الفنان الراحل رابح درياسة..

بالتأكيد. هو حاضر في المعرض في اللوحة الموسومة “روح واحدة”.. لوحة باللون الأحمر تضم شجرة للصمود والمقاومة، والدي حاضر في الذاكرة وفي القيم التي أحملها. لكنني أحرص على أن تكون الذاكرة دافعًا لا قيدًا، وجسرًا للإبداع لا ظلًا يحجبني.

ما هي مشاريعكم الفنية القادمة؟

هناك مشاريع لمعارض أخرى، وأفكّر فعلًا في تجارب خارج الوطن، إضافة إلى أعمال مشتركة. الأهم بالنسبة لي هو الاستمرار في البحث والتجدد.

كلمة أخيرة لزوار المعرض ولمتابعي الفن التشكيلي عبر «دينا براس»..

أشكر كل من يقدّر الفن ويمنحه مكانته. أدعو الجمهور إلى الاقتراب من اللوحة بروح مفتوحة، لأن الفن حوار صامت لكنه عميق. شكري الخاص لموقع دينا براس على اهتمامه بالثقافة والفن.


زر الذهاب إلى الأعلى